الصفحة 93 من 111

بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بن بشير بواسط، ومعمر بن راشد الصنعاني باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وهم جميعًا في عصر واحد، لا ندري أيهم هو الأول.

وتطورت عملية التدوين على يد أعلام من كبار الحفاظ، أمثال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، الذين أسهموا في وضع أسس علوم الحديث من حيث التثبت والتوثيق.

الكتب المعتمدة في السنة

واصل الناس عملية التدوين إلى أن ظهرت المسانيد الجامعة في القرن الثالث الهجري، على يد الإمام أحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة. وصنف الأئمة كتبهم المشهورة كصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج. ثم جوامع أهل السنن، مثل أبي داوود والترمذي وابن ماجة والنسائي.

وهذه الكتب لم يزعم أهلها حصر كل الأحاديث الصحيحة، إذ ليس في صحيح البخاري سوى نحو من سبعة آلاف حديث، منها ما كان نصه مكررًا. ولقد جمع الطبراني من الحديث الكثير، وكذلك السيوطي في جامعه الكبير، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة.

وقد جرى مدونو السنة النبوية الشريفة على جمعها وتصنيفها وفقًا لأبواب الموضوعات: العبادات، الطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، المعاملات، الجنايات ... إلخ.

مراتب الحديث قوة وضعفًا

ينقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف. وقد وضع الفقهاء ضوابط للتمييز بين الحديث الصحيح والحسن والضعيف، وتعارفوا على مصطلحات وتقسيمات في هذا الشأن:

* الصحيح:

الحديث الصحيح عند أهل الصنعة هو الذي اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله بدون شذوذ أو علة قادحة. فالإسناد هو نسبة الحديث إلى رواته بتراجع التسلسل الزمني حتى الوصول إلى مصدره، وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ومن أمثلة الحديث الصحيح الذي لم ينقطع إسناده، حديث: >لا يبع أحدكم على بيع أحد، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، وعن المزابنة< (44) .

وقد يتصل إسناد الحديث برواية العدول، ومع ذلك يكون شاذًا. والشذوذ عند علماء الحديث أن يروي الثقة خبرًا متصل الإسناد، لكنه يخالف فيه جمهور الثقاة. ومن أمثلته ما رواه همام بن يحيى عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من وَرِقٍ (فضة) ثم ألقاه (45) . فرواة هذا الحديث ثقاة وإسناده متصل، ولكن الخبر نفسه شاذ، لأن رواية الجمهور أن الخاتم الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم كان من ذهب وليس من وَرِقٍ (46) . فالشذوذ مما يضعف به الحديث. كما يضعف الحديث بالعلة القادحة، مثل حديث الافتتاح بالبسملة في الصلاة الذي عُلِّلَ باختلاف نقل ألفاظه.

وقد نبه علماء الحديث إلى أن المقصود بالصحيح هو ما استوفى الشروط الخارجية، وذلك يعني أن توفر شروط الصحة المتعلقة بالسند لا تعني القطع بصحة مضمون الحديث، وذلك لإمكان تعرض الثقة للخطأ والنسيان، فنسيان كلمة أو إبدالها، وإسقاط حرف أو إضافته، قد يغير معنى الخطاب.

* الحَسَنُ:

والقسم الثاني من الحديث هو ما اصطلح عليه بالحسن: وهو ما اشتهرت روايته من غير المتهمين بالكذب، وسَلِمَ من الشذوذ، وهو دون رتبة الصحيح، أي لم تكتمل فيه شروط الصحة، إلا أن العلماء قبلوه وعملوا به لوجود أحاديث صحيحة تعضد معناه، أو لأن مضمونه يتفق مع روح شريعة الإسلام. وفيما عدا البخاري ومسلم اللذين اهتمَّا بجمع الأحاديث الصحيحة، اعتبرت أكثر أحاديث أهل السنن من الأحاديث الحسان، لأن أهل السنن والمسانيد يتساهلون في شروط الرواية، على خلاف البخاري ومسلم.

* الضعيف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت