الصفحة 94 من 111

أما الحديث الضعيف فأنواعه كثيرة، يقال إنها تزيد على الأربعين، ومجمل المعنى أن كل حديث لم تتوفر فيه الشروط المذكورة آنفًا فهو ضعيف.

ومن أشهر أنواعه:

المنقطع السند، وقد يكون معضلًا إذا سقط اثنان من سلسلة رواته، أو موقوفًا على راوٍ معين. وإذا ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعرف بالمرسل، وله حكم خاص، لأن بعض العلماء يلحقه بالصحيح.

ومن أنواع الضعيف الحديث المروي بالعنعنة إذا كان في رواته من يعرف بالتدليس. والتدليس إيهام بصحة السند بحذف بعض الرواة، أو ذكر الراوي باسم لا يعرف به.

ومن الحديث الضعيف ما يعرف بالموضوع، وهو الحديث المختلق كذبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، والوضَّاعون كُثر، وقد أُلِّفَتْ فيهم كتب عديدة تحذِّر من افترائهم وزورهم.

وأسباب الوضع معروفة، ذكر علماء الحديث منها: أعمال الزنادقة والمنافقين أعداء الإسلام، وما وضعه أهل البدع والأهواء لنصرة نِحَلِهِم بغير الحق، وكذلك أحاديث وضعت في فضائل الأقاليم. ومن الأحاديث الضعيفة التي تسربت إلى المؤلفات الإسلامية ما يعرف بالإسرائيليات، وهي قصص مروية عن أناس جهلة أو مجاهيل.

وقد بذل نقاد الحديث وصيارفته جهودًا كبيرة في وضع ضوابط للحديث، والكشف عن مواطن الزيف وأعمال المنتحلين، فأقروا قواعد الإسناد التي لولاها لقال من شاء ما شاء. وألفوا الكتب في أحوال الرواة وسيرتهم، وصنفوا الدرجات لتعديلهم وجرحهم، فقالوا إن منهم: الحجة، والثقة، والصدوق، ومن ليس به بأس. وإن منهم: الوضاع، والكذاب، ولين الحديث. وإن منهم: من يقبل حديثه عن جماعة معينة ولا يقبل عن غيرهم، ومثلوا لذلك بإسماعيل بن عياش الذي يُرْتَضَى حديثه عن الشاميين ويُتَحَرَّزُ منه إذا رَوَى عن الحجازيين. وذكروا أن من الرواة من اختلط في آخر زمنه، وأعطوا تاريخ اختلاطه، فمن رَوَى عنه في صحته أجازوه، ومن رَوَى عنه في زمانته، أي اختلاطه، تركوه.

ثم قَرَّرُوا ضوابط الرواية، لمعرفة إمكان تَحَمُّلِ الخبر وأدائه، والألفاظ الدالة على السماع، ففرقوا بين: أنبأنا، وأخبرنا، وحَدَّثَنَا، وقال، وفلان عن فلان. كما بَيَّنُوا شروط الإجازة في مجال الرواية.

كل هذه الجهود التي بذلت في تصحيح الأحاديث، سواء على مستوى الجمع والتصنيف والتبويب أو على مستوى النقد والتقويم، أنشأت علمًا دقيقًا، اختص به علماء الإسلام لتنقية الخطاب النبوي وإبرازه في الإطار الذي يليق به.

وقد ساعد المحدثين في هذا العمل ما قام به اللغويون من شروح لكتب الآثار وبيان غريبها ومشكلها. كما أفادوا أيضا من نقد علماء الفقه الذين اعتنوا بمضمون الخطاب التشريعي، فنقدوا المتون، وبحثوا في اختلاف الحديث، وبَيَّنُوا ما صاحبه العمل وما لم يصاحبه، وما كان ثابت الحكم وما نسخ حكمه بحديث مثله أو بالقرآن.

كل هذه الأعمال المتضافرة تعطي الناس اليوم صورة واضحة من معالم الخطاب الديني في الحديث النبوي الشريف.

والملاحظ أن انتشار الخطاب النبوي في الناس عامة ظل محدودًا، لأنه يكاد يقتصر على ذوي الاختصاص، فبقي محصورًا في اللغة العربية، ولم يترجم من مدوناته إلا القليل، وقد أخذت بعض اللغات الأوروبية مثل الإنجليزية والفرنسية حظًّا من ترجمة أهم جوامع الأحاديث مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم.

أما عن نشر الحديث النبوي بالطباعة والوسائل التقنية المعاصرة، فله حظ وافر في ذلك. فجوامع الأحاديث والسنن الشهيرة تطبع في الكتب وتتداول على أقراص الحاسوب، ومن أشهرها: صحيح البخاري، صحيح مسلم، موطأ مالك، مسند أحمد، سنن ابن ماجة، سنن الترمذي، سنن الدارمي ... إلخ. ومن أفضل الشروح للحديث النبوي الشريف، فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، وغيره.

وقد انتشرت في الآونة الأخيرة الموسوعات الحديثية في أقراص حاسوب. وللحديث الشريف مواقع على الأنترنيت، أشهرها موقع"المُحَدِّث": www.muhaddith.com.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت