الصفحة 95 من 111

مضمون الخطاب النبوي

وعلى ذلك، فمضمون الحديث يشمل:

خطاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي توجه به إلى ربه، يسأله التوفيق إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات وحب المساكين، ويدعوه ويستغفره ويلتجئ إليه، ويناجيه بالتحميد والتمجيد.

كما يشمل الحديث أيضًا خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته ليُفَصِّلَ لهم ما أنزل اللَّه من الأحكام المذكورة في القرآن إجمالًا، ويُعَلِّمُهُمْ أركان الإسلام الخمسة، وشعب الإيمان المتعددة، ودرجات الإحسان، ويرشدهم إلى طريق الهدى والتقوى، فيقول لهم: >إن الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ وبينهما مُشَبَّهَاتٌ لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبُهَاتِ كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه< (47) .

ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أيضًا بفروض الوحدة والأخوة، فمثلهم في تراحمهم وتوادِّهِمْ وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى (48) . وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (49) . وأنه لا ضرر ولا ضرار (50) . وأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نَوَى (51) .

ثم يأمرهم على مستوى الإنسانية أن يفشوا السلام، >عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تُطْعِمُ الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف< (52) ، وأن يفعلوا الخير، وأن يقسطوا في الحكم، وأن يبتعدوا عن الخيانة والغدر والغيبة والنميمة والبهتان.

خاتمة

إن الخطاب الديني في الإسلام، يأتي في قسميه: القرآني والنبوي، تعبيرًا عن العهد بين الإله الباري وبين البشر، فذلك الخطاب هو امتداد لرسالة النبوَّة الخالدة، التي تعرب عن تكريم ابن آدم بالعقل وبمسؤولية الأمانة التي عرضت عليه، كما جاء في قول الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا} (سورة الأحزاب، الآية 72) . فمن صان الأمانة فله الجزاء الأوفى، ومن ضيعها وجهل قدرها فقد ظلم نفسه، وصار {ظلومًا جهولًا} {ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (سورة هود، الآية 118) .

وتكريم الإنسان بالعقل، وتكليفه بتحمل الأمانة، يستلزم الوفاء بما أرشد إليه الخطاب الديني، وذلك يقتضي تدبر هذا الخطاب وفهمه واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفقًا لمبادئ واضحة يلخصها الأصوليون في الأمور التالية:

ـ حفظ النفس: التي استودعها الله في الإنسان، وجعل حرمة واحدة منها كحرمة البشر كله: {من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا} (سورة المائدة، الآية 34) .

ـ حفظ العقل: الذي هو مناط التكليف، فَحَرَّمَ على الإنسان كل ما يمس به من مسكر أو مخدر.

ـ حفظ الدين: وفيه صلاح الدنيا، ويكون ذلك بالتمسك بآدابه وقيمه، وفيه صلاح الآخرة بأداء الفروض الشرعية، فالدين ينجي المؤمن من العذاب، ويوصله إلى جنة النعيم.

ـ حفظ المال: الذي به قوام الأبدان، ومنه يكون الإحسان، وبه تكون عمارة الأرض التي استخلف اللَّهُ الإنسَانَ فيها.

ـ حفظ النسب والعرض: وفيهما مقومات كرامة الإنسان، وصيانة قيمه الاجتماعية، وما تتضمنه من توازن على مستوى الفرد والأسرة، وعلى مستوى الأمة.

هذا ومن أسرف على نفسه فارتكب المعاصي، فليعلم {أن اللَّه هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن اللَّه هو التواب الرحيم} (سورة التوبة، الآية 105) . وليست التوبة للذين يعملون السيئات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت