ويحتمل على بُعدٍ أنه غلب عليه الطبع البشري فانتقم منه؛ كما حكي عنه أنه لما قيل له: {خُذْهَا وَلَا تَخَفْ} . . لفَّ كمه على يده وتناولها به، فقيل له: أرأيت لو أذن اللَّه تعالى فيما تحذر. . هل كان ينفعك كمك؟ فقال: (لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف. . خاف) (١) ، ويؤيد ذلك: ما ثبت أنه كان حديدًا، حتى كان إذا غضب. . خرج شعر جسده من مدرعته كسُلَّاء النخل (٢) ، ولهذا لما علم بما أحدثت قومه بعده. . أخذ برأس أخيه ولحيته يجرُّه إليه.
وكذلك حُكي أن الخضر لما خرق السفينة. . غضب، وأخذ برجله ليلقيه في البحر، حتى ذكَّره يوشع عهده معه فخلاه (٣) .
إنما يذم الغضب حيث لم يكن للَّه، وإلَّا. . فهو محمود، ومن ثَمَّ: (كان صلى اللَّه عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرمات اللَّه عز وجل) (٤) ، فحينئذٍ لا يقوم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر للحق، وورد: (أنه كان إذا غضب. . أعرض وأشاح، وأنه كان بين عينيه عرق يُدِرُّه الغضب) (٥) .
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه) (٦) ، ولشدة حيائه صلى اللَّه عليه وسلم كان لا يواجه أحدًا بما يكرهه (٧) ، بل تعرف الكراهة في وجهه، ولما بلَّغه ابنُ مسعود قولَ القائل: هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه اللَّه. . شق??ّ عليه وتغيَّر وجهه وغضب، ولم يزد على أن قال: "قد أُوذي موسى