ومثل هذا هو الذي تكون الدنيا سجنه، كما قال صلى اللَّه عليه وسلم: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" .
ومن ثم قال أئمتنا: لو أوصى لأعقل الناس. . صُرف للزهاد؛ أي: لأنه لا أعقل منهم، حيث آثروا الباقي على الفاني.
ومنها: استحضار أن لذاتها شاغلةٌ للقلوب عن اللَّه تعالى، ومنقصةٌ للدرجات عنده، وموجبةٌ لطول الحبس والوقوف في ذلك الموقف العظيم للحساب، والسؤال عن شكر نعيمها.
ومنها: كثرة التعب والذُّل في تحصيلها، وكثرة غبونها، وسرعة تقلُّبها وفنائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها، وحقارتها عند اللَّه تعالى، ومن ثم قال الفضيل: (لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليَّ حلالًا لا أُحاسب عليها. . لتقَدَّرتها كما تُتَقَذَّر الجيفة) (١) .
ومنها: استحضار أنها وما فيها ملعونةٌ، كما في الحديث الحسن: "الدنيا ملعونةٌ (٢) ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه، وعالمٌ، أو متعلِّم" (٣) ، وفي رواية: "إلا ما ابتُغِيَ به وجه اللَّه تعالى" (٤) أي: أنها وما فيها مبعدٌ عن اللَّه تعالى