استحقَّ الفاسق الشكر بإنعامه، والذم بمعصيته) (١) .
واختلفوا: هل للَّه سبحانه وتعالى نعمةٌ على كافرٍ في الدنيا؟ فقيل: نعم، وعليه الباقلاني، وقال الفخر الرازي: إنه الأصوب؛ لقوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وذكر آياتٍ كثيرةً فيها دلالة لذلك (٢) ، وقيل: لا (٣) ؛ لأنه وإن وصلت إليه نِعَمٌ لكنها قليلةٌ حقيرةٌ لا اعتداد بها؛ لأدائها إلى الضرر الدائم في الآخرة، فهي كحلوٍ فيه سمٌّ، ومن ثَمَّ قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} الآيةَ، والخلاف لفظي؛ إذ لا نزاع في وصول نِعَمٍ إليه، وإنما النزاع في أنها إذا حصل عقبها ذلك الضرر الأبدي. . هل تسمى حينئذٍ في العرف نِعمًا أو لا؟ فهو نزاعٌ في مجرد التسمية (٤) .
وأوَّلَ بعضُ المحققين النعمةَ في نحو كلام المصنف هنا بالإنعام؛ نظرًا إلى أن الحمد على الوصفِ القائمِ بذاته تعالى الدائمِ المستمرِّ أَبلغُ منه على أثره الواصل إلينا.
واعلم: أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر منه تعالى؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} أي: إما ظاهرًا كالخلق، وإما باطنًا كالواصلة من غيره ظاهرًا؛ فإنه الخالق لهما ولداعية الإنعام في قلبه بها، لكن لمَّا أُجريت على يديه. . استحق نوعَ شكرٍ بها، وأما حقيقة الشكر. . فهي تعالى فقط؛ لأنه المنعم بالحقيقة، ونعمه تعالى غير متناهية: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} .
والأمرُ بتذكرها في قوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} لأنها وإن لم تتناهَ باعتبار الأشخاص والأنواع إلا أنها متناهيةٌ بحسب الأجناس، وذلك كافٍ في التذكر المفيد للعلم بوجود الصانع الحكيم.