وكان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة، وكان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة وفي كل شهر ثلاثين ختمة.
قال ابن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة يختم في كل ليلة، ولم تفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وقال البغوي عن زهير محمد بن قمير المروزي البغدادي الحافظ: ما رأيت بعد الإمام أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان تسعين ختمه، وكان عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي من عقلاء شيوخ إفريقية. من أصحاب سحنون يختم القرآن في كل ليلتين من رمضان، والقصص في ذلك أكثر من أن يحصر، ولا شك أن الالتزام بالهدي النبوي في قراءة القرآن أولى من غيره وأفضل، وهو المنع من قراءته في أقل من ثلاث [10] ، لكن هذا التصرف من هؤلاء الأجلاء دليل على مزيد عنايتهم بالقرآن واعتنائهم به خاصة في مواسم الخيرات.
وفي شهر الصيام وقراءة القرآن والقيام كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان غاية الاجتهاد في قيام الليل وكلما جاءت الليالي الفضلى اشتد اجتهاده فيها عما سبقها من الليالي، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر" [11] فهو صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد فيما تقدم منه، وإذا علمنا أن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يقوم في غير رمضان حتى تتفطر قدماه، فلنا أن نتصور ماذا يكون عليه الحال في رمضان حيث يجتمع فضل الصيام والتلاوة والقراءة والقيام.