الصفحة 45 من 173

وإن كان الحديث فيه مقال إلا أن المعنى صحيح، ويشهد له ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني في"الكبير"والبخاري في"التاريخ"عن عابس الغفاري - رضي الله عنه - قال:

"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوَّف على أمته ست خصال: إمْرَاة الصبيان، وكثرة الشُّرَط، والرشوة في الحكم ـ وفي رواية: بيع الحكم ـ وقطيعة الرحم، واستخفاف بالدم، ونشو يتخذون القرآن مزامير يقدِّمون الرجل ليس بأفقههم ولا أفضلهم يغنِّيهم غناءً"

والمراد بالتغني هنا: ما يكون من التطريب والتمطيط والتلحين في القراءة، وما كان متكلفًا زائدًا على قواعد التجويد واللغة العربية.

قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ كما في"فضائل القرآن"صـ195:

والغرض أن المطلوب شرعًا، إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبُّر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة،

فأما الأصوات بالنغمات المحدثة، المركَّبة على الأوزان، والأوضاع الملهية، والقانون الموسيقائي، فالقرآن يُنزَّه عن هذا ويُجَلُّ ويعظَّم أن يسلك في أدائه هذا المذهب.

قال مالك ـ رحمه الله ـ:

"ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبُّها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء ويضحك بالقرآن ويقول: فلان أقرأ من فلان، وبلغني أن الجواري يُعلِّمن ذلك كما يعلمن الغناء"

وقال أبو ذر - رضي الله عنه:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوف على أمته قومًا يتخذون القرآن مزامير يقدِّمُون الرجل يؤمهم ليس بأفقههم لكن ليغنيهم".

فهُم بذلك لا يقصدون فهم معانيه من أمر ونهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم ... أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما هو للذة والطرب والنغمات والألحان، كنقر الأصوات، وأصوات المزامير، كما قال - عز وجل - ـ يذم قريش ـ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت