فلو كان القتال واجبًا وجوبًا مطردًا في كل المراحل والحالات والأزمنة والأمكنة، لأوجب على المستضعفين القتال أو استحبه لا الهجرة.
وبذلك أفتى شيخ الإسلام أهل ماردين ـ وهي أقرب البلدان في القديم لواقعنا ـ فقال:
"المقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت عليه الهجرة، وإلا استحبت ولم تجب". [ الفتاوى 28 / 240 ] .
وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة، فقد كانوا مستضعفين فيها، وكان الكفار يظلمونهم ويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمان بالله ورسوله، فهاجر منهم طائفة مثل عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده، فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن."
وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك.
ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان، أُذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم، لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار". [ الجواب الصحيح 1 / 74 ] ."
إلا أن هؤلاء يمنعون من التعليم والتربية، والدعوة إلى الله ـ وهو من جهاد اللسان ـ لأنهم يعتبرون أن آية السيف نسخت كل مرحلة فليس ثمَّ إلاَّ الجهاد.
والجواب:
أن آية السيف نسخت كل مرحلة عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مرحلة قيام الدولة حيث أصبح للمسلمين جيش وكيان مستقل، وأصبحوا في عزة ومنعة، عندها أمرهم الله عز وجل ـ وهم في هذه الحالة ـ أن لا يكتفوا بالجهاد الدفاعي الذي هو صد العدوان لقوله تعالى: (( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) )ـ الذي كان في المرحلة الوسط بين المرحلة الأولى وهي كف الأيدي، وبين المرحلة الأخيرة وهي قتال المشركين كافة دون استثناء ـ.