أما وبعد أن عاد المسلمون إلى الضعف ثانيةً، وليس لهم دولة ولا جيش، وعاد الدين غريبًا، فلا شك أن الواجب عليهم كف الأيدي وإقامة الصلاة والاستمرار بالدعوة والتربية لإيجاد القاعدة العريضة التي تتبنى الإسلام وتلتزم به وتدعوا إليه، وذلك لأمور:
أولًا: أنّ حكم الشيء حكم مثله، فالحكم على المرحلة حكم مثلها من المراحل التي مرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا يلزم من ذلك التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات .
ثانيًا: أنه لا تكليف إلا بمقدور عليه، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالكف عن القتال لعجزه وعجز المسلمين في تلك المرحلة، وجب أن يكون العجز علة للحكم، يوجد الحكم حيث يوجد العجز وينتفي بانتفائه كما تقرر في الأصول: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فيوجد الحكم حيث توجد العلة وينتفي الحكم حيث تنتفي العلة.
لا بد من مراعاة قاعدة
تحقيق المصالح ودرء المفاسد في جهاد البدء
لقد فرّق الفقهاء بين جهاد الدفع وجهاد البدء والطلب، فأوجبوا الجهاد على كل من حضر إذا غُزي قوم في عقر دارهم، بل يتعداهم إلى الدول المجاورة إذا لم يكف أهل البلد، ولا يوازن فيها بين المصالح والمفاسد، إذ أن المفسدة في عدم الدفع متحققة، والمصلحة في الدفع خالصة.
وأما في جهاد البدء والطلب، فينبغي الموازنة بين المصالح وتحقيقها، والمفاسد ودرئها . وفي ذلك يقول شيخ الإسلام:
"فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفُعِلَ محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس عليه هداهم". [ الفتاوى العراقية 257 ] .