الصفحة 11 من 83

الرجوع جائزٌ في الحالَيْن؛ في الحالة الأولى، وفي الحالة الثانية؛ لكنها في الحالة الأولى كانت النفوس تتشوف على الصبر، لكن لمَّا نزل بها الأذى تشوفت النفوس إلى الرجوع إلى المدينة وعدم تحمُّل الأذى؛ لهذا ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الناظر في مسائل النوازل - أنه إذا لم يكن قد وقع الحالُ به - أنَّ نظره يكون بذلك قاصرًا؛ وهذا ينبغي أن ينظر فيه الناظرُ في أحكم النوازل على وجه العموم، إذا لم يقع في تلك النازلة، أو تكن في مجتمعه فليحجم عنها قَدْر الإمكان ما دام أهل البلد الذين قد وقعت فيهم النازلة لديهم من أهل العلم والدراية والمعرفة ما يُمكنهم أن يستنبطوا لتلك النازلة دليلًا.

لهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُخْرِجُ الغُزاةَ من أصحابه ويعلمهم الأصول، ويَدَعُ الفروع لهم لأنهم أعلم الناس بحالهم؛ ولهذا ثمة كثير من النوازل في وقتنا ينبغي أن يُمسِك عنها كثيرٌ مَن لو نزل به ذلك تلك النازلة، أو نزل به ذلك البلاء لقال بقولهم، أو تَخَّبط بالقول يَمْنةً ويَسرة؛ كفقه الأقليات في كثيرٍ من بلدان العالم؛ تقع فيه النوازل كثيرة، فيفتي في ذلك كثيرٌ من أهل العلم الذين لم يقعوا في ذلك البلد، أولم يَحْصُل لهم أن وطأت أقدامهم تلك البلاد؛ فيفتوا بذلك من غير نظرٍ لأحواله؛ ( كذلك مسائل أهل الثغور ينبغي أن تُتْرك لهم؛ وذلك لصعوبة المسائل والمدارك ) .

ومن نظر إلى أحوال النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وجد ذلك ظاهرًا بيِّنًا فيه.

ومن المهمات أيضًا في هذا الباب أن يعلم الناظر أنه إنْ مَلَك دليلًا في أي مسألة من مسائل الدين أنَّ ذلك لا يعني منه أنه يَملُك أن يُنْزل ذلك الدليل على كل مَسْألةٍ مشابهة لها وإنْ كانت من كل الوجوه؛ وذلك ربما يكون ثمة دافع لتلك النازلة، أو لذلك النَّظير؛ يدفع الدليل عنها؛ لإنزال أمرٍ آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت