الصفحة 12 من 83

مثال ذلك أنَّ رجلًا جاء إلى الإمام أحمد - عليه رحمة الله - فقال له: إن أبي أمرني أنْ أطلِّق زوجتي. فقال له: لا تُطلِّق. فقال: أليس عَبْدُ الله بن عمر أمره أبوه أن يُطلِّق زوجته فطلقها. فقال - عليه رحمة الله -: حتى يكون أبوك كعمر.

من جهة ورود الدليل عند الإمام أحمد؛ أعلى دليلٍ في هذه المسألة ما جاء عن عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى - ومعلومٌ منهج الإمام أحمد - عليه رحمة الله - أنَّه يُقدِّمُ الصحابة إذا لم يَكُن في الباب غَيْرُهُم؛ وذلك لجلالة قَدْرهم، وهم وصيةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإتباع؛ خاصة الخلفاء الراشدين؛ كما جاء في السُّنن وغيرها من حديث العرباض ن سارية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بَعْدي". أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بسلوك سبيلهم؛ بلغ إليه الدليل واحتجَّ عليه المحتج، ولم يكن ذلك خافيًا عليه - عليه رحمة الله - احتجَّ عليه بأن ذلك قد ثبت عن عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى؛ لكن كان نظر الإمام أحمد أنَّ مناط ذلك لشيءٍ وَقَعَ في النفس، وأنَّ أمر الوالد لولده بالطلاق ليس نافذًا على وَجْهِ العموم حتى يكون الوالد منصرفًا عن رغبات النفس ومطامعها التي تتشوف بحرمان الغير، وبما في يده ورضا نفسه عن رضا غيره رضا الله - سبحانه وتعالى - .

لما كان ذلك منتفيًا في عمر، وأدرك تلك العلة الإمام أحمد -عليه رحمة الله- لم ينزل الحكم على ذلك السائل، ولو كان ذلك السائل سأل غيره ممَّن هو دونه لأوقع عليه ذلك الحكم، ولو بقي على نَفْسه وهو يحمل الدليل لأخذ بذلك.

لهذا حاجَّ الإمام أحمد - عليه رحمة الله تعالى - بحال عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى - مع ابنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت