الصفحة 13 من 83

الكلام في هذه المسائل مما يطول جدًا، ولكن ينبغي التنبيه على أصلٍ مهمٍ في هذا الباب؛ وهي أنَّ شريعة الله - سبحانه وتعالى - الأصل فيها أنَّها ثابتةٌ لا تتغير، لا يُمكن أن تتغير بحالٍ، وهذا هو الأصل فيها، أمَّا من المسائل التي ما عَلَّق الشارع فيها النظر إلى عُرْفِ الناس؛ فإنها تدور بتغير الحال.

ومن تلك المسائل ما جاء عن أبي حنيفة - عليه رحمة الله - أنَّه تكلم على مَسْأَلة الشاهدين، وعدم وجوب تزكيتهما، وانصراف صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن عن قوله، وعللا ذلك لتغيُّر الزمان؛ لتغيُّر زمانه وفساد أحوال الناس، وأنَّه ينبغي أنْ يُزَكَّى الشاهدان؛ وذلك أنَّ تغيُّرَ أحوال الناس قد يغيِّرُ بعض الأحكام. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن القيم - عليه رحمة الله تعالى - في كتابه"إعلام الموقعين"، وكذلك الشاطبي في كتابه"الاعتصام والموافقات"، وغيرهم من أهل العلم أشاروا إلى أنَّ جُمْلَةً من مسائل الدين قد تتباين وتتغير من وقتٍ إلى وقت؛ فيُفْتي العالِمُ بقولٍ؛ فيظن الناظرُ في هذا أنه قد استند إلى دليلٍ من النصِّ، وهو قد استند إلى العادة وإلى النظر في أحوال الناس؛ فإذا تَغير ذلك الزمان وفسد أحوال الناس أو صلحوا تغيَّر ذلك الحكم بتغير ذلك الزمان.

وكثيرٌ من العلماء لا ينصُّون على تلك العلَّة التي قد تغيَّر الحُكْمُ لأجلها، وإنما يفتون بالقول؛ فيظن بعض من لا عناية له أنَّ هذا القول قولٌ قطعيٌ في المسألة، وقد استند فيه إلى أصول الإسلام؛ لا إلى عُرْفِ الناس؛ فيظن أنه قول واحد، فإذا خالف ذلك الإمام ظنَّ أنه قد خالف أصله، وما علم أن ذلك الإمام قد قال بهذا القول نظرًا إلى عُرفِ الناس وأحوالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت