فهرس الكتاب
ومن المهمات أيضًا ما يجب أنْ يُتنبَّهَ له؛ أنَّ ثمَّة موجة عظيمة في وقتنا قد تولى كبرها كثيرٌ ممَّن يُحْسَنُ الظن به؛ بامتطاء كثيرٍٍ من مسائلِ العلم؛ من النوازل وغيرها ؛ حتى جعلوا من ذلك تأصيلًا لما يُسمَّى"فقه التيسير"فميَّعوا كثيرًا من أصول الديانة، وأذابوا كثيرًا مِن أحكام الدين، وتشبثوا بحُجَج وآراء لبعض العلماء على مَرِّ العصور، وجمعوا في ذلك مصنَّفاتٍ متعددةً؛ أرادوا بذلك عن حُسنِ قصدٍ التيسير على الناس، وما علموا أنَّ ذلك مخالفٌ لمنهج الأئمة - عليهم رحمة الله؛ بل هو مخالفٌ لما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ بلزوم العزيمة مِنْ جهة الأصل، والأخذ بالرُّخَص والتيسير في بعض الأمور ونوازل الأحكام.
وأما إذا كان النصُّ في ذلك ظاهرٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا قولَ لأحدٍ مِنْ أهل العلم في نازلةٍ أيًّا كانت؛ إلا إذا كان ثمة أصلٌ يُعْتَمَدُ عليه بدفع ذلك الدليل - هو أعظم منه، والكلام في ذلك في الفروع أهونُ منه في الأصول، وإن كانت الأصول قد تغاضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ من فروعها؛ لمصْلحةٍ في الإسلام أعظم؛ وكذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ كما جاء عنهم - عليهم رضوان الله تعالى - أنَّ بعضهم قد عَطَّل بعضًا من حدود الشريعة؛ لا من جهة التقليل والتحكيم لغير ما أنزل الله؛ وإنما في واقعةٍ بعينها؛ لمصلحة رأوها كما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قد درء قَتْلَ جُمْلَةٍ مِن أهل الشِّقاقِ والنِّفاقِ؛ لِعِلَّةٍ راجحةٍ تتعلَّق بأصول الديانة.