فهرس الكتاب
وينبغي لطالب العلم أن يُكْثر النظر في كتب النوازل للعلماء الأوائل، وهي ما يسمَّى بالفتاوى أو ما يسمى بأحكام النوازل على المذاهب الأربعة، ولا يوجد مذهبٌ من المذاهب حتى مذهب الظاهرية إلا وفيه كلامٌ على مسائل نوازل الدين؛ فينبغي لمن أراد ميراثًا وأن يتقن مسائل النوازل، وأن يُجيد إلحاق الفروع بالأصول، وأن يكون لديه ملكة الاستنباط في معرفة أحكام الشريعة والاستئناس بوقائع الحال على الترجيح - أن يُكْثرَ القراءة في كتب أهل العلم؛ وذلك لكي يستفيد من أخطائهم في النوازل؛ فذاك يصيب وذاك يُخطئ وذاك يرد عليه ونحو ذلك؛ فيكون لديه من الملكة ما لديه.
كذلك ينبغي للناظر في أحكام النوازل والمفتي فيها ألا يَأْطِره الواقع على أنْ يُفتي بنازلةٍ بخلاف ما يدين الله عز وجل فيها؛ وذلك أنَّ الواقعَ يغلب عليه نظرة العوام، والعوام يتباينون في نظرتهم؛ فمنهم من يهتم بالجزئيات ويغلب الفروع على الأصول ويضخمها، ويجعل الخلاف فيها أعظم من الأصول؛ ولهذا يقول عبد الله بن عمر - عليه رضوان الله تعالى - كما جاء في الصحيح من حديث محمد بن فضيل عن أبيه فضيل بن غزوان عن سالم بن عبد الله بن عمر أنَّ عبد الله بن عمر قال لأهل العراق: يا أهل العراق، ما أسألكم على الصغيرة، وأجرأكم على الكبيرة. في قوله - عليه رحمة الله -"ما أسألكم على الصغيرة، وأجرأكم على الكبيرة": أي أنكم تضخمون بحُسن نيَّةٍ الصغائر وتبالغون في التدقيق فيها والتنقيب عن أحكام الله - عز وجل - فيها، وتقعون في الكبائر ولا تبالون فيها.
وهذا ينبغي أن يتأمله الناظر في أحكام النوازل، أنّ كلام العامة، وكذلك أنصاف المتعلمين الذين يجعلون من دقائق الدين مناطَ ولاءٍ وبراءٍ للأمة ألا يغير ذلك في نظرته شيئًا.