فهرس الكتاب
كذلك ينبغي للناظر في النوازل أن يعلم أن رغبات الناس وأهوائهم - وإن كانوا يفرقون بين أصول الدين وفروعه - أنَّ رغباتهم لا تغير من حُكْم الله - عز وجل - شيئًا، فكم من نصوص الشريعة قد جاهد عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهادًا بليغًا؛ فرفع عليها السِّنان، وأطلق - عليه الصلاة والسلام - اللسان في بيان الحق، ودحض الباطل وشُبَه المبطلين في نصوص كبيرةٍ قد جاءت عنه - عليه الصلاة والسلام -.
ومن نظر إلى النصوص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته وجداله مع المنافقين، وكذلك للجهلة ممن جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جهالة الأعراب عن حُسن قَصْدٍ - وجد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاهدهم جهادًا بليغًا؛ مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحلَّى بالجملة الحكمة واللين والرقة، إلا أنَّ ذلك كله لا يغير من حكم الله - عز وجل - شيئًا؛ فيكون الحكمُ ثابتًا من جهة التحريم أو التحليل، أو الكراهة أو الاستحباب، أو الإباحة؛ لا يُجامَلُ أحدٌ في دين الله - سبحانه وتعالى - ؛ وكذلك أيضًا ينبغي للناظر في أحكام النوازل وفقهها أنْ يَعْلَم أن ثمة نصوص تتشوف على الصَّبْر على الأذى في دين الله - سبحانه وتعالى - ؛ وذلك بالنَّظر إلى حال النِّبي - صلى الله عليه وسلم - وحال أصحابه والتابعين وأئمة الإسلام الذين صبروا على القول بمسائل من فروع الديانة، وكذلك الجلادة في مواجهة أهل الباطل ونحو ذلك؛ فأوْجَدَ ذلك أصلًا في نفوس كثير من العامَّة، أو كثير من المتفقهة؛ بتحُّمل البله ببعض فروع الدين ونحو ذلك، وهذا قد وُجِدَ أصلُه عند السلفِ الصالح من الصحابة وغَيرِهم.