فهرس الكتاب
وما عندي شكٌّ في إخلاص هؤلاء الدعاة إن شاء الله - ولا نزكيهم على الله - ولكنَّهم مع ذلك مخدوعون في هذه الديمقراطية، يحسبونها تخدم الإسلام، ويلتبس عليهم الأمر بسبب الشّبه الظاهري بينها وبين (( الشورى ) )التي الزم الله بها الأُمة الإسلامية، يحسبون الإسلام والديمقراطية شيئًا واحدًا، أو شيئين منتجانسين يمكن مزجهما في عجينة واحدة!
وأحسب أنَّ الذي يجذبهم إلى الديمقراطية حتى يحسبونها له، هي الصورة التطبيقية لروح الإسلام، هو رقابة الأُمة على الحاكم في النظام الديمقراطي وحاسبتها له، والضمانا التي تكلّفا الديمقراطية للفرد إزاء الدولة ...
فإذا نظر أولئك الدعاة إلى أنفسهم في وسط النظم الإستبدادية التي تُشرِّدهم وتُعذِّبهم وتقتِّلُهم قالوا: يا ليت لنا نظامًا ديمقراطيًا يحمي الدولة ورجالها من العنف والإستبداد!
نعم! ولكن هذا لا يبررُ الخديعة بالديمقراطية ...
إنَّ هناك قضيّة كبرى في حياة المسلم، تنطلِق من حياة عقيدته، وتسري فكره، وفي سلوكه: العمل .. تلك هي قضيَّة (( من المعبود ) )؟ الله أم الهة أُخرى معه، أو من دونه؟
ويتفرَّعُ عنها قضية أُخرى لا تقلُّ خطرًا عنها، ولا تقل عنها صلة بأصلِ الإيمان، تلك هي قضية (( من المشرِّع ) )؟.
فأمّا قضية (( من المعبود ) )، فيكفي لبيانها في الديمقراطيات أن (( حق ) )الالحاد مكفولٌ في دساتير تلك الأُمم تحت عنوان (( حق العبادة ) )!.
وأما قضية (( من المشرِّع ) )؟، فالواضحُ في الديمقراطيات أنَّ حق التحليل والتحريم هو (( للأُمة ) )مصدر السلطات، والبرلمان الذي يمثلها نظريًا على الأقل، بصرف النَّظر عن كون أصحاب رؤوس الأموال هم الثقل الحقيقي، وهم أصحاب السلطان، من وراء المسرحية الجميلة، مسرحية التمثيل النيابي، وحرية الإختيار، وحرية التعبير!
ولكن إذا أخذنا بالنظرية، فالبرلمان هو الهيئة التشريعي العليا، ولا معقب لحكمه، ولو أباح الفاحشة - وقد أباحها - ولو أباح أي شيءٍ وكل شيء!
هنا سيقول الدعاة الذين ينادون بالديمقراطية .. لا .. لا .. إنَّما نقصد الشورى الإسلامية، الملتزمة بالكتاب وسنَّة رسوله ص، والتي تجتهدُ في المصالح المرسلة [1] ، ملتزمة بمقاصد
(1) 1 - ... المصالح المرسلة: هي المصلحة التي لم ينصُّ الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعيٌّ على اعتبارها أو الغائها، وهكذا فإنَّ المصالحَ ثلاثة أنواع:
أ - مصالح معتبرة نصَّ عليها الشارعُ، وأمرّ بها، ودعا اليها، كالزواج والسَّفر والصَّيد
ب - مصالح ملغاة، حرَّمها الشّارعُ، ونهى عنها: كالربا والقمار وغيرها
ج - مصالح مرسلة سكت عنها الشارعُ، وهي المراد بالإستصلاح، وأورد من ا أمثلة على المصالح المرسلة، أنظمة الجند، وتدوين الدواوين، وإحداث السجون لردع المجرمين، فكل هذه المصالح قررها الأصحاب مما سكت عنه الشارع العظيم، المعتد في أُصول الفقه. نظم وشعر وشرح، الدكتور محمد حبش، تقديم محمد الزحيلي ط بلا ص56