فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 284

إلى هنا اكتمل الشوط الأوّل من مسيرة الإنسان الفكرية والتطلعية ، فبعد أن ثبت له أن له خالقا ، وثبت كذلك حتمية وجود المنهج والبرنامج الّذي لا بد أن يسير عليه ، أخذ يبحث عن هذا الخالق وهذا المنهج . والحق أن الإنسان عاش في دوامة كبيرة في ذلك البحث ، والتنقيب ، فقسم من الناس هداه عقله النيّر ، وفطرته السليمة فتوصل إلى الواقع ، ولكن الكثير ضلوا طريق الهداية ، وساروا بشكل متخبط في متاهات بعيدة ، وهم على قناعة في قرارة أنفسهم أنهم تائهون ضالون لم يصلوا إلى الواقع الذي يبحثون عنه ، فعبدوا الاصنام والكواكب والمظاهر الكونية وغيرها ، وكثر الفساد في الأرض ، وسالتْ الدماء ، واستُعبد الأحرار ، وانتهكت الأعراض . كل ذلك كان في حياة البشر ، وتاريخ البشرية زاخر بألوان كثيرة من ذلك الواقع المؤلم ، ولا زالت الآثار تعطي صورة ولو مجملة عن فصول تلك المسرحية المأساوية ، بل ان واقعنا المعاصر خير دليل على همجية الإنسان المنفصل عن الله تعالى ودينه القيم .

من أجل ذلك كله ـ وغيره ـ كان لازمًا على ذلك الخالق أن يبعث لهذا الإنسان من يأخذ بيده نحو طريق النجاة والسلام ، ويُعرّفه مطلوبه وهدفه الّذي يبحث عنه ، ويبرمج له حياته بكل أبعادها ، ويؤمّن له طريق الوصول إليه سبحانه ، فكان الأنبياء والرسل هم سفراء الخالق للاِنسان الظلوم الجهول ، ولم يترك الله سبحانه اُمّةً إلاّ وبعث فيها نبيًا أو رسولًا لهداية الناس إلى صراطه المستقيم ، قال تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) (1) . ...

(1) سورة فاطر: 35>24

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت