فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 284

ولعلّ الفهم الأوّلي للعوام هو أصالة الماهية، بمعنى تمايل أذهانهم إلى واقع أصالة الماهية من دون أن يعرفوا المصطلحات. فإن كانت الماهية أصيلة صحّ أن يقال: هل الوجود ينبع منها أو يلازمها، أو أنّ له علّة مستقلّة عن هذا الشيء؟ ويكون الإيجاب بالثاني; لأنّ العقل يرى أنّ الماهية بما هي لا يكمن فيها الوجود. أمّا على القول بأصالة الوجود وكون الماهية حدًّا للوجود ولو حدًّا وجوديًا ـ فضلًا عن القول بكونها حدًّا عدميًا ـ فلا معنى للتساؤل عن كون الوجود لازمًا لحدّه أو نابعًا عنه وعدمه، بل لابدّ عندئذ من تفسير إمكان الوجود ووجوبه بتفسير آخر ينسجم مع أصالة الوجود، كما سيأتي إن شاء الله في الدليل الرابع.

البرهان الثاني ـ برهان الحدوث (1)

وهذا البرهان أيضًا مؤلّف من ثلاث مقدّمات:

الاُولى: الحدوث.

الثانية: احتياج الحادث إلى علّة.

الثالثة: ضرورة الانتهاء في سلسلة العلل إلى القديم; وذلك لاستحالة الدور والتسلسل.

أمّا المقدّمة الاُولى: وهي حدوث العالم، فلإثبات حدوثه طرق عديدة منها مايلى:

1 ـ الحركة الجوهريّة:

لا إشكال في كون العالم مليئًا بالحركة الظاهرية، والحركة: هي الخروج من القوّة إلى الفعل تدريجًا، أو قل: هي الزوال والحدوث المستمرّ، وهذه الحالة حسّيّة لنا في البشر في نموّه وبلوغ أشدّه ثم انتكاسه، وكذلك في الحيوانات، والأشجار، وكذلك التغيّرات الاُخرى: من الحرّ والبرد والليل والنهار وحركة السيّارات وما إلى ذلك.

(1) و هذه النظرية منسوبة الى علماء الكلام، و مفادها هو ان سرّ ارتباط المعلول بعلته حدوثه، فكل حادث محتاج في حدوثه الى علة الحدوث، و هذه النظرية لاتخلو من نظر، لأنّ لازمها استغناء الحادث بعد حدوثه عن علته الُمحْدِثة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت