فهرس الكتاب
أول العبر والادلة على الباري جل وعلا ، تهيئة هذا العالم ، وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك ، وميزته بعقلك ، وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكل شيء فيه لشأنه معد ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت ، والمخوَّل جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيئة لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على ان العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة ، وان الخالق له واحد ، وهو الذي ألّفه ونظّمه بعضًا إلى بعض جل قدسه وتعالى مجده » .
النظرية الإسلامية"الدين فطرة إنسانية"
ها نحن نصل إلى أصل المطلب وجوهره ، وهو إثبات النظرية الالهية في نشوء الدين التي تتمثل بكون الدين أمرًا فطريًا كامنًا في نفس الإنسان لا يختلف ولا يتخلّف ، كما يظهر جليًا من قول الله تبارك وتعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (1) . فمفاد هذه الآية المباركة ، هو المحور الذي سوف يدور عليه موضوع بحثنا ، وإثبات النظرية الإسلامية ، بما يتلاءم مع آراء علماء النفس والانثروبولوجيا ، ويتلاءم مع واقع الطبيعة البشرية كذلك . ولكن لا بد لنا أوّلًا أن نعرف معنى الفطرة ، ونثبت أصل وجودها ، لكي نستطيع أن نجعلها دليلًا وبرهانًا لنا.
المطلب الأول
المعنى اللغوي للفطرة
(1) سورة الروم: 30>30