فهرس الكتاب
بل إن العجيب في الأمر - والذي يؤكد مرض الغرب - أننا نحن المسلمين نحب أنبياءهم أكثر من حبهم هم لهم. فليس من الممكن أن تسمع مسلمًا يهزأ بالمسيح - عليه السلام-، ولا يمكن أن تجد أي فرد من أفراد هذه الأمة العربية والإسلامية يسخر من نبي الله موسى -عليه السلام-. إنهم أنبياء نؤمن بهم ونوقرهم، والأهم في كل ذلك - في هذا السياق - أننا حقًا نحبهم. ليتهم في الغرب يعرفون: ماذا يعني هذا الحب؟ وكم هو جميل أن تكون محبًا! وأن تحيا بالعاطفة، وليس بالمصلحة أو المنفعة!
لكن الحب يفرز أيضًا عاطفة مضادة وهي الكُره، وهنا يمكن أن نجد تفسيرًا لحماس مفكري الغرب في الهجوم على ظاهرة حبنا الشديد لنبي الإسلام. فالحب عاطفة جياشة، وكأي عاطفة فإنها تحمل دائمًا ضمن عناصرها نقيضَها وهو الكره. إن من يعرف كيف يحب، يتقن أيضًا كيف يكره.
إننا أمة نحاول دائمًا أن نربط العاطفة بمعايير الدين والأخلاق، ونحاول كذلك أن نتحكم في الكراهية لكي تنضبط ضمن أطر الدين والقانون والأعراف، ولكننا لا نحاول أبدًا أن نتخلص منهما. بل إن الدين الإسلامي الذي يحث على الانضباط والتقيد في الحب؛ هو نفسه الذي يرى أن الكره عاطفة بشرية لا يمكن القضاء عليها، ولكن يجب أن تقنن وتضبط ضمن قيم وقواعد المجتمعات الإسلامية.
أما الغرب فهو يريد أن يتخلص الناس، وخصوصًا هذه الأمة، من تلك العواطف الجياشة، حبًا كانت أم كراهية، فكلًا منهما يساعد على تقوية النقيض؛ فمن يحب بشدة - حتى وإن انضبط بمعايير الشرع - يمكن أن يكره أيضًا بشدة ضمن نفس المعايير والضوابط. هناك في الغرب من يريد تركيع البشرية حتى لا يكره أفعاله أحد، حتى وإن قتل وعذب واستهزأ وهيمن وسيطر، لا بد إذن أن يقيد ويحجم الحب، وأن تقتل مشاعر البغض.