فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 78

وبشكل عام، فإنه خلافًا للموقف الإسلامي الهادئ وحتى اللامبالي، كان موقف المسيحيين الغربيين من الإسلام انفعاليًا وغير متسامح روحيًا؛ لأن الإسلام كان في تصورهم تحديًا تطلَّب ردًا ومقاومة واهتمامًا دائمًا به، وإنه من أجل إدارة الصراع بنجاح مع عقيدة هذا المنافس الخصم القوي والخطير، لا بد من دراسته [1] .

حقًا إن أوروبا قد تخلت عن الفكرة المسيحية؛ ولكنها لا تستطيع أن تتحرر مطلقًا من أثر الفكر المسيحي على شعوبها. وهذا الفكر المسيحي الغربي قد توحد عبر القرون الماضية حول فكرة معاداة الإسلام، وتقديم نموذج شخصية المسيح - عليه السلام - ، بعد تحريفها، في مواجهة شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ما يفسر الهوس الغربي بالهجوم على النبي.

أما بالنسبة للاتجاه غير المتدين - كما يذكر أحد المفكرين العرب- الذي يُؤَّثر أكثر فأكثر في الحقيقة الاجتماعية الأوروبية بمرور الزمن؛ فمنذ أن تحررت الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني وعلى الممارسة السياسية، انفتحت نظرة جديدة للكون. هذه النظرة الجديدة مكنت من رؤية الإسلام بعمق، كجزء متمم وهام من الحياة الإنسانية، ولكنه أيضًا خصم سياسي وعسكري عنيد تمثل في ذلك الوقت في الإمبراطورية العثمانية.

لذلك استمر العداء رغم اختلاف القوى المحركة له، واستمر الهوس بالعالم الإسلامي. وظهرت الانتقائية الفكرية الغربية التي ترى أن الإمبريالية ليست إلا مهمة حضارية للارتقاء بشعوب الأرض، وأن مقاومتها من قبل المسلمين الذين يتمثلون شخصية نبيهم ليسوا إلا برابرة يجب القضاء عليهم؛ من أجل استمرار المهمة الحضارية نحو هدفها في تنقية الجنس البشري من كل أنواع البرابرة، وعلى رأسهم أنصار محمد.

(1) الإسلام والمسيحية، د. أليسكي جورافيسكي، كتاب رقم 215 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ، نوفمبر 1996م، ص37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت