فهرس الكتاب
إن أوروبا لم ترَ وحدتها أو معناها الحضاري إلا من خلال توحدها ضد الإسلام. إن الإسلام قد أعطى لأوروبا معنى ورسالة، ولذلك فلا غرابة أن يبقى الهوس المتعلق بالإسلام حيًا في الفكر الغربي حتى الآن. يؤكد هذا المعنى أحد المفكرين العرب عندما يقرر أن:"الأمة المسيحية Chretiente حقيقة غربية محضة، وهي ليست مجرد جماعة دينية، بل شاءت أن تكون جسمًا سياسيًا وكان لها ذلك إلى حد بعيد. من هذا العالم خرجت أوروبا الحديثة، وهذا ليس بالشيء القليل، لكن ذلك يعني أن الأمر الرئيس هو استقلاليتها، وليس درجة ثقافتها التي كانت غير متقنة في البداية. إلا أن هذه الاستقلالية لم يكن لها من معنى في العصور الوسطى إلا بالنسبة إلى الإسلام" [1] .
مرآة داكنة لواقع الغرب:
يرى البعض في الغرب في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - نموذجًا متكاملًا لنوع من الكمال الإنساني الذي لا يمكن للغرب بأفكاره ونظرياته وممارساته أن يصل لها. وعند هذا الفريق من الغربيين، يصبح القضاء على هذا النموذج همًا حقيقيًا بذاته.
فكأن حياة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - تمثل ذلك الضمير الذي يوخز الغرب في جنباته، وكأنه مرآة داكنة تُوَضِّح لهم بالدليل الواقعي مدى التردي الذي وصل إليه حال الشخصية الغربية نتيجة لابتعادها عن النموذج المحمدي.
(1) أوروبا والإسلام... صدام الثقافة والحداثة، هشام جعيط، دار الطليعة، بيروت الطبعة الثانية، 2001م، ص11.