ومن أشهر من عارضه في هذا الرأي هو أبو الوليد الباجي الذي وجه الخطاب إليه متسائلًا عن حجج إنكاره للقياس هل هي بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس؟، إذا ما أمعنا النظر في المباحث القياسية عند الأصوليين، فإننا سنتبين أنه لايعدو في الحقيقة إلا أن يكون طريقة في استنباط الأحكام من النصوص التشريعية، وكذلك فإن حذاق العلماء صرحوا بأن القياس ليس أصلًا بذاته، وإنما هو معقول أصلًا، فهو في حقيقة الأمر وسيلة لتنظير الاستنباط وتنظيمه، وهذا واضح في فصوله المتعلقة بالقوادح والترجيح والتعديل التي تعطي المجتهد وسائل الاستنتاج، وتعطي الخصم وسائل الانتقاد.
المجال الثالث: وهو الخلاف في الفروع: وهو مجال متسع في مادته ومضمونه، وتعود أسباب الخلاف في الفروع إلى اجتهادات الأئمة في تقويم الأدلة الأصولية، وإذا كانت النصوص التشريعية من كتاب وسنة هي المرجع المعتمد، فإن الخلاف يقع تقدير إحكام ماهو ثابت، وتفسير ماهو محكم، ولقد اشتُهِر رأي المصوبة من الأصوليين أي القائلين، بجواز تقليد كل مجتهد، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أن"من اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر"وشاع قولهم:إن من قلد عالمًا لقي الله سالمًا، وهذا يقتصر على من تتوفر فيه شروط الاجتهاد المبسوطة في كنفي الأصول: واتفق الجميع على أن في اختلاف العلماء رحمة للأمة، لصعوبة التقيد بجميع الناس أي واحد في كل مسألة.