فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 24

سورة الضحى

د. عامر مهدي صالح

التقابل الدلالي في سورة الضحى:

للتقابل دورٌ كبيرٌ وحضورٌ بارزٌ في تكثيف الصور وإظهارها من خلال مقابلها ، وقد

قيل: ( وبضدها تتميز الأشياء ) ، فحين نأخذ التقابل الموجود في سورة الضحى مثلًا نجده يأتي لافتًا إلى صورةٍ ماديةٍ مدركةٍ وواقعٍ مشهودٍ توطئةًً بيانيةً لصورةٍ أخرى معنوية مماثلة غير مشهودة ولا مدّركة .

فالقرآن الكريم في قَسَمِهِ بالصبح ( إذا أسفر ) و ( إذا تنفس ) والنهار ( إذا تجلى ) والليل ( إذا عسعس ) و ( إذا يغشى ) و ( إذا أدبر) ، يجلو معاني من الهدى والحق أو الضلال والباطل بماديات من النور والظلمة ، وهذا البيان للمعنوي بالحسي كما تقول بنت

الشاطئ (((1) )).

وقد تنبه الرازي قديمًا إلى مثل هذا إذ قال متحدثًا عن قوله تعالى: { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى: 1 - 3 ) : كأنه تعالى يقول: انظر إلى جوار الليل مع النهار لا يسلم أحدهما عن الآخر بل الليل تارةً يَغلِب وتارةً يُغلب ، فكيف تسلم عن الخلق ، فمرةً تزداد ساعات الليل ومرةً تزداد ساعات النهار ، ومرةً بالعكس فلا تكون الزيادة ولا النقصان لقلى بل لحكمة وكذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح ، فمرةً إنزال ومرةً حبس فلا كان الإنزال عن هوى ولا كان الحبس عن قلى (((2) ))

وكذلك تنبه ابن القيم إلى مثل هذا حين قال ( فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسة ) (((3) ))، وذهب محمد عبده إلى قريب هذا إذ ذهب إلى أن في القَسَم إشارة إلى أنَ ما كان من سطوع الوحي على قلبه أوّل مرة بمنزلة الضحى تقوى به الحياة وتنمو الناميات وما عرض بعد ذلك فهو بمنزلة الليل إذا سكن لتستريح فيه القوى ولتستعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل (((4) ))فهناك إذن تقابل بين صورٍ حسية كل منها يقابل صورًا معنوية .

(1) ينظر: التفسير البياني 1 / 25 - 26 .

(2) ينظر: تفسير الرازي 30 / 420 .

(3) التبيان في أقسام القرآن 72 .

(4) ينظر: الأعمال الكاملة لمحمد عبده 5 / 95 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت