فالتقابل في سورة الضحى صورة مادية وواقع حسي يشهد به الناس في كل يومٍ تألق الضوء في ضحوة النهار ثم فتور الليل إذا سجا وسكن ، دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكارٍ ، بل دون أن يخطر على بال أحدٍ أن السماء قد تخلت عن الأرض أو أسلمتها إلى الظلمة والوحشة بعد تألق الضوء في ضحى النهار ، فأيّ عجبٍ في أن يجيء بعد أنس الوحي وتجلي نوره على الرسول - صلى الله عليه وسلم - مدّة سكونٍ يفتر فيها الوحي على نحو ما نشهد من الليل الساجي يوافي بعد الضحى المتألق (((1) )).
اللف والنشر:
وهو أن تذكر شيئين ثم ترمي بتفسيرهما جملةً ثقةً بأن السامع يردّ كل تفسيرٍ إلى
اللائق به (((2) ))، ويبدو أن التعريف الذي ذكره الدكتور عبد العزيز عتيق أكثر دقة من هذا التعريف وهو ( ذكر متعددٍ على التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحدٍ من غير تعين ، ثقة بأن السامع يرده إليه لعلمه بذلك بالقرائن اللفظية أو المعنوية ) (((3) ))، لأنه غير منحصر في مذكورين ( شيئين ) في بنية اللف وهو ضربان:
أحدهما المرتب: وهو أن يكون النشر على ترتيب اللف بأن يكون الأول من المتعدد في النشر للأول من المتعدد في اللف ، والثاني للثاني وهكذا إلى الآخر ، وهذا الضرب هو الأكثر في اللف والنشر والأشهر (((4) ))، كقوله تعالى: { لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقا } ( النبأ:24-25) فالاستثناء هنا منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء ، إذ هو شديد الحر (((5) ))، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب إذ ليس المهل من جنس الشراب والمعنى يذوقون الحميم إذ يراق على أجسادهم والغساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم وصورة الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة (((6) ))فهذا البناء سمح للنفي أن يدخل على البرد والشراب وينفيهما قبل الاستثناء فلو لم يكن على هذه الطريقة لكان النظم ( لا يذوقون فيها بردًا إلا حميمًا ولا شرابًا إلا غساقًا ) وفي هذا
(1) ينظر: التفسير البياني 1 / 26 .
(2) التبيان 177 ، وينظر: البرهان 313 .
(3) علم البديع 167 ، وينظر: البديع في ضوء أساليب القرآن 88 ، 90 .
(4) علم البديع 168 .
(5) ينظر: المفردات 185 .
(6) ينظر: التحرير والتنوير 30 / 38 .