لترتيب اللف ، ويكون بذلك قوله: ( وأما بنعمة ربك فحدث ) مقابلًا لقوله ( ووجدك ضالًا فهدى ) (((1) ))وقد اعتمد القائلون بالترتيب عن أن المراد بالنعمة الغنى كما يدلّ عليه سياق الآيات ، لمقابلة ( وأما بنعمة ربك فحدث ) لقوله ( ووجدك عائلًا فأغنى ) كما يقول القاسمي ومحمد عبده (((2) ))، ولو كانت النعمة بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله( ووجدك ضالًا
فهدى )لذلك نجد محمد عبده يرى أن السائل هو المستفهم عما لا يعلم وليس طالب الصدقة وحجته على ذلك أن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما (((3) )).
والمقصود ما يدل على المعنى بنفسه بدون قرينة تبينه كما في قوله تعالى:
{ وفي أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم } (((4) )) (المعارج:24) ، وذكر أن السياق يأباهُ أشد الإباء لأن لفظ السائل لابد أن يكون في الآية دالًا على معنى يلاقي شيئًا مما ذُكِرَ في الآيات التي سبقته لأن هذا التفصيل مُفرّعٌ على ما قبله فلو أريد منه ( طالب الصدقة ) لم يتوهم أن يكون ملاقيًا إلا لمعنى (العائل) وهو الفقير والسائل ليس عنوانًا له ، وقد بين ، على حدّ قوله ، إن الذي يقابل ( العائل ) فيها هو التحديث بالنعمة وإذا لم يصحّ مُلاقيًا لشيءٍ مما سبق إلا بحمله على المُستفهم طالب البيان الذي هو عنوان له يتبادر منه إلى الذهن عند الإطلاق تعين حمله عليه ويكون ذلك ملاقيًا لمعنى ( ووجدك ضالًا فهدى ) (((5) ))، وهذا قول السيوطي إذ قال: ( إن المراد السائل عن العلم ) (((6) ))وهو رأي بنت الشاطئ حين قالت: ( وهو عندنا أولى بالمقام ويؤيده الاستئناس بالاستعمال القرآني لمادة( سأل ) حيث ترد كثيرًا في هذا المعنى كما يرجحها سياق الآيات قبلها ) (((7) )).
(1) ينظر: التحرير والتنوير 30 / 402 - 403 .
(2) ينظر: تفسير القاسمي 17 / 182 ، والأعمال الكاملة لمحمد عبده 5 / 441 .
(3) ينظر: الأعمال الكاملة لمحمد عبده 5 / 440 .
(4) ينظر: المصدر السابق 5 / 444 .
(5) ينظر: المصدر السابق 5 / 445 .
(6) معترك الأقران 1 / 311 .
(7) التفسير البياني 1 / 53 .