( نهاه عن قهر اليتيم جزاءً لما أنعم به عليه في قوله تعالى: { ألم يجدك يتيمًا فآوى } ونهاه عن نهر السائل في مقابلة قوله( ووجدك عائلًا فأغنى ) ، وأمره بالتحدث بنعمة ربه وهو
في مقابلة قوله ( ووجدك ضالًا فهدى …. ) (((1) ))والمعنى( تعطف على اليتيم وآوه فقد ذقت اليتيم وهوانه .. وترحم على السائل .. كما رحمك ربك فأغناك بعد فقرك ، وحدّث بنعمة الله
كلها ، ويدخل تحته هدايتك الضالّ وتعليمه الشرائع والقرآن ، مقتديًا بالله في أن هداك من الضلال .. ) (((2) ))، وعَدَّ بعض المفسرين اللف هنا مرتبًا وعلى الشكل الآتي (((3) )):
ووجدك ضالًا فهدى ( و ) أما السائل فلا تنهر
ووجدك عائلًا فأغنى ( و ) أما بنعمة ربك فحدّث
لذلك ذكر الشعراوي أن في هذه السورة سرٌّ عجيب في نظمها فقد نظمت وفيها قسمٌ وتسع
آياتٍ ، القسم هو ( والضحى والليل إذا سجى ) والجواب ( ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ... فأتى لهم على كل قضية بدليل
( ما ودعك ربك وما قلى ) تستدعي ( ألم يجدك يتيمًا فآوى ) وهذه مؤكدة لها ، وقوله
( ووجدك ضالًا فهدى ) أدى إلى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) لأن الهداية خير أما
( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فالمقابل لها آية ( ووجدك عائلًا فأغنى ) ما دمت أنت ما ودعك ربك وما قلاك ، والدليل على ذلك أنك كنت يتيمًا فآواك ( فآما اليتيم فلا تقهر ) ، أما قوله ( ووجدك ضالًا فهدى ) فما دام قد هدى فقد تعين مجيء (وأما السائل فلا تنهر) وقوله تعالى: ( ووجدك عائلًا فأغنى ) فيقابل قوله تعالى: ( وأما بنعمة ربك فحدّث ) (((4) ))والسبب كما يبدو في اختلاف المفسرين في تعيين بنية النشر المقابلة لبنية اللف هو
اختلافهم في المعنى المقصود للفظتين ( السائل ) و ( النعمة ) في الآيتين السابقتين ، فالتعريف في السائل كما يقول الطاهر بن عاشور تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي عما يُسأل عنه
النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثله ويكون النشر على ترتيب اللف ، فإن فُسر ( السائل ) بسائل المعروف
كان مقابل قوله تعالى: ( ووجدك عائلًا فأغنى ) وكان من النشر المشوش أي المخالف
(1) غرائب القرآن 30 / 112 - 113 .
(2) الكشاف 4 / 265 .
(3) ينظر: المعترك 1 / 311 ، والقاسمي 17 / 181 ، والأعمال الكاملة لمحمد عبده 5 / 543 - 544 والمختار 3 / 84 .
(4) ينظر: المختار 3 / 84 - 85 .