نعم إن فقدان مثل هذا العلم البارز ، لهو ثلمة في بناء هذه الأمة ، ونقصان في تاريخها اللغوي ، والأدبي ، لقد كان شوقي رحمه الله مثال المحقق الأمين ، والعالم الزكي ، والمثقف الثري ، الذي لم تتلاعب به الأهواء ، أو تأخذه المناصب ، أو تغره الوجاهات ، لقد ارتقى بالعلم والمعرفة ، وسما باللغة وحبها ، وعلا بموروثه الثقافي وتركته الفكرية التي كشفت ما ينبغي عليه المحقق والباحث ، من صفات العلم والدقة والأمانة والموضوعية وإفادة القارئ والمطالع ، دون تشبع أو تعالم . فلله دره إذ علمنا أدوات التحقيق ، ورسم معالم البحث ، وكشف لنا من عيون المسائل ، وذخائر اللسان العربي .
لقد زار الأستاذ دولًا عدة ، ودرس وتخرج عليه كثيرون ، ولم تزل سرجه نيرة في أقطار عديدة ، وقد رأس مجمع اللغة عدة مرات ، وقفل وهو رئيسه ، وقد زان برئاسته وخبرته ودوام إشرافه ومتابعته ، وأحرز عددًا من الجوائز والأوسمة ، وهي جديرة به ، لأنها تعانق العلم ، وتحييه ، وتباركه ، ومثل هؤلاء العظام تشرف الجوائز والمناصب بأمثالهم ، وليس العكس .
لقد قدم شوقي لأمته وعلومها وحضارتها مفاخر عديدة تنوء بحملها أعلام فذة ، وأساتذة كملة ، تجمعت جهودهم وطاقاتهم في شخص واحد عظيم ,أخلص للعلم ، وتجرد للمعرفة ، وشغف بحب اللغة ، وآدابها ، فجزاه الله خيرًا .
وإنه لموقف مخز بهذه الأمة ,أن يفقد مثل هؤلاء الأعلام ، ولا نكترث لهم ، في حين إذا فارق غواة الفن واللهو ، دقت لهم الطبول , وصنعت لهم المآتم الطويلة العريضة ، وسودت الصحف والمجلات في تعداد مآثرهم!!
ولا يدري ما هذه المآثر التي قدموها؟!
يا عجبا! زمان انتكست فيه المفاهيم , وغيبت القيمة الصادقة , واحتفي بما هو هزيل وسقيم وتافه !!