وما بدلوا تبديلا؛ لا في العقيدة، ولا في الشريعة، وما تولوا عن منهج رسولهم (صلى الله عليه وسلم) ؛ مستسلمين لأمر الله (جل جلاله) :"وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ"49: المائدة.
فما اتبعوا السبل التي تَفَرَّق بهم عن سبيله (جلّ جلاله) ، فكيف يفعلون ذلك!؟ وهم يدركون حقا وعيد الله في قوله تعالى:"وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا"النساء 173.
لكن الذين كفروا كانت النتيجة من دعوتهم إلى الخضوع للحق الذي هو من لدن ربهم العزيز الحكيم، وعدم احتقارهم للمؤمنين من أهل الحق؛ كانت النتيجة الإصرار على استكبارهم، فقد قال الله تعالى عن مثل أولئك المتكبرين:"يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"الجاثية، بل ما كان يزيدهم الدعاء للحق إلا فرارا كما بينه الله تعالى في قوله:"قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا"5 - 10 نوح. وهذا حال المستكبرين إلى يوم القيامة.
ثم يَظْهر (المنتسبون إلى الإسلام) وهم يلبسون ثوب أوليائهم من الكفار ثوب التعالي على الحق والاستكبار؛ هذا الثوب الذي ما يلبسه أحد إلا قصمه الله الجبار كما في الحديث القدسي:"العظمة ردائي "، ولكنهم يلبسونه بأسلوب خبيث ماكر، فهم يزركشونه بشيء من الإسلام ويتسربلون به تسربل الثعلب الماكر الغدار حين يراوغ فريسته؛ ليوقع بها في براثنه!
ونأخذ مثالا على ذلك؛ فنأخذ منهج حماس في فلسطين، فهم يرفعون شعار الإسلام شكلا ظاهريا يسّوقون به أنفسهم لدى عوام الناس؛ ليكسبوا ودهم ودعمهم وما إلى ذلك من المكاسب،
أمَّا أن يُنزلوا هذا الإسلام إلى حيز التنفيذ، والممارسة العملية وتطبيق شرع الله في الحياة التي مكّن الله لهم من استلام سلطتها في غزة؛ فهذا أمر رفضته حماس، ولا تزال ترفضه! بل قال عنه خالد مشعل الرافضي (أي عن الإمارة الإسلامية) قال عنه (كلام فارغ) وكلامه هذا مسجل، وموثق بالصوت والصورة!!!
وستبقى ترفضه؛ طالما أن منهجها لم يؤسس لإقامة شرع الله في الأرض، أو في أرض فلسطين، أو حتى في غزة، كما وبينتْ للعالم أجمع أنهم لا يريدون إقامة دولة، أو إمارة إسلامية على أرض غزة على غرار دولة الطالبان، بل سلطة مدنية يتاعيش فيها الناس جميعا، ويتشاركون في كافة الحقوق التي يكفلها لهم الدستور الشركي، وأساسه الديمقراطية التي هي البديل الغربي عن الدين، وفيها يباح أن يعبد الله، وأن يعبد غير الله على حد سواء، وربما مُكِّن لعبادة غير الله في هذه السلطة المدنية أكثر من عبادة الله سبحانه، كيف لا، وهم يحتكمون فيها لغير شريعة الله!!!.
والدليل الساطع على ذلك؛ أن حماس وصلت إلى السلطة عبر ما أفرزته صناديق الاقتراع الديمقراطي - كما يدعون - وخاضت حماس كالذي خاضوا، ورغم ذلك انقلبت عليهم فتح العلمانية شريكهم الديمقراطي المقرة مع حماس باللعبة الديمقراطية، وكذلك العالم الصهيوصليبي، ليُعَلِّمَ الله تعالى حماسا أن قوله هو الحق وما دونه الباطل في قوله جلّ جلاله:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ"120البقرة
ولكن حماس لم تقل ما أمر الله أن تقول:"قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى"120البقرة، ولم تخش حماس من وعيد الله لمن يتبع أهواء الكفار:"وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ"120البقرة. وهل الديمقراطية؛ إلا من أهواء الكفار، وخزعبلاتهم التي أرادوها بديلة عن دين الله تعالى ولو بقوة السلاح؟!
فانقلب السحر على الساحر؛ ودار القتال بين منهج حماس العلماني المقنع بشيء من الإسلام وبين منهج فتح العلماني المكشوف؛ لتعلم حماس أن أعداء الدين لن يقبلوا أيّ منهج يتدثر بالإسلام تدثرا، ولو أقرهم هذا المنهج على كفرهم كاملا، وبشتى صوره؛ فلن يرضوا عنه حتى يخلع هذا المنهج غطاءه ودثاره الإسلامي - الشكلي- تماما، مصداقا لقوله تعالى:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".120البقرة
وهذا - أعني خلع قطعة الإسلام التي تتدثر بها حماس لستر عوراتها- ما لا تريده حماس؛ لأنها لو فعلت ذلك لانكشفت عورتها وعورة منهجها المتدثر بالإسلام - شكلا - على عامة الناس، وعندها ينفض الناس من حولها وتذهب ريحها.