الصفحة 9 من 49

وعليه؛ فما كان على المؤمن الصادق (لمّا تبيّنّ له أنّ الشيطانَ وأولياءه أعداءٌ له) إلا أن يتبرأ منه ومن أوليائه، ويحقق قولَ الله تعالى:"فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ"الشعراء77، ولا تكون هذه العداوة من المؤمن للكافرين؛ إلا فكرا وسلوكا، ًوليستْ مجردة ًعن واقع المؤمنين، أوهي في عالم الخيال، أو في خفايا أفكار المرجفين، فتنبّه لذلك - أيّها المسلم الصادق الكريم.

ومن هنا وما دام كلُّ فريق على ما اعتقده تجاه الآخر، بل هو الواجب الإلهي علينا نحن أهلَ الحق"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ"فاطر (6) ، وما دام ليس لأي طرف منهم أن يتنازلَ عن عقيدته للآخر؛ وقد بين الله تعالى هذه الحقيقة-التي لا يجادل فيها إلا مخادع كذاب - بقوله:"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ"145البقرة، فستبقى العداوة والصراعُ قائمين بينَ أولياءِ الرحمن، وبين أولياءِ الشيطان إلى يوم القيامة.

فإنْ رأيتَ (المنتسبين إلى الإسلام) لا يتخلَّون عن عداوتم للشيطان وأوليائِه، بل إنهم يوادُّونه وأولياءَه، بل ويعلنون العداوة والبغضاء لأهل الإسلام من المجاهدين القائمين على حدود الله وأمره (كما فعلت حماس العلمانية بالمجاهدين الصادقين في غزة فقتلت أحد عشر منهم بلا ذنب، وقتلت أبا النور(رحمه الله) ومن معه)، ويخالفون بهذا عن أمر الله تعالى:"وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"، الحشر10

فاعلم أخي المسلم، أنهم من الذين قال الله فيهم:"يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ"البقرة9"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ"النساء 114، أعاذني الله وإياك من النفاق وأهله، فتنبه - أيها المسلم الصادق الباحث عن الحق والحقيقة.

ثانيا -

الاستكبار:

وهو خلق ذميم حرمه الإسلام، ويعني: التعالي على الحق وعدم الانصياع له، واحتقار الناس. وقد بين الرسول الأكرم هذا المعنى بقوله:"الكبر بطر الحق وغمط الناس"أي التعالي على الحق واحتقار الناس، والحق الذي أوجب الله تعالى على المسلمبن أن ينصاعوا له هو حكمه وشريعته (جلّ جلاله) فيما أمر ونهى، قال الله تعالى": وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ"الجاثية31 ... .

والناس الذين حرم رسولنا احتقارهم هم في الغالب الأغلب أهل الحق من المؤمنين، فلما طلب أهل الكفر من الرسول أن يجعل لهم مجلسا يدارسهم فيه الدين، ويجعل للفقراء من المسلمين مجلسا آخر؛ استكبارا من صناديد الكفر من قريش، نهاه الله تعالى عن الاستجابة لمطلبهم الخبيث وأمره أن يلتزم الثلة المؤمنة على فقرها، ففيهم الخير وهم أهل الخير قال الله تعالى:"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" (28) الكهف

فهم الذين حملوا دين الله (عقيدة وشريعة) في حياتهم فكرا وسلوكا، وجاهدوا في الله حق جهاده؛ فالتزموه في الجهاد تماما كما التزموه في الصلاة والزكاة والصيام، وغير ذلك مما أوجب الله تعالى عليهم من التكاليف الشرعية؛ من دون شروط، ولا اجتزاء للدين، ولم يتبعوا أهواءهم ولا أهواء الكافرين؛ تحقيقا لقوله جلّ جلاله:"ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (18) الجاثية؛ فهم قد علموا وعملوا بقول الله تعالى:"إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ"19الجاثية. فدخلوا في دين الله كافة مستجيبين لأمر الله سبحانه منقادين لقوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (208) البقرة: أي في الدين، كذا قاله الطبري في تفسيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت