والتزمَ بها الناسُ أجمعون؛ حتى إن زوجاتِهم الطاهراتِ العفيفاتِ (رضي الله عنهن) أجْمَعْنَ مع المجمعين على حُكم رسول ِربّ العالمين، إلا ما كان من زوج (هلال بن أمية- ذلك الشيخ الكبير) ، فإنه ليس خروجا منها عن الإجماع، وما فعَلتْهُ عن أمرها، بل استأذنت النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أن تقومَ على خدمة زوجها الشيخ الكبير؛ لأنه لم يكن يقوى على خدمة نفسِه.
إذن لم يكنْ فعلُها عن أمرها وإنّما هو من أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وبذلك فَفِعلها لم يناقض إجماعَ المسلمين، بل كان معه، ونزولا ًعلى حكم رسول ربّ العالمين، حيث أقرّها على خدمة زوجها دون أن تمكّنه من نفسها، فقبلتِ الحكمَ (رضي الله عنها) بنفس آمنة مؤمنة مطمئنة، وأكّدت على عدم حاجة زوجها للنساء؛ لكبر سنّه.
فكنّ (رضي الله عنهن) على أزواجهن مع أمّة المسلمين التي منحها الله سبحانه وسام الخيريّة إلى يوم الدين، فقال جلّ جلاله:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ"آل عمران110
فتلاقت القلوبُ الآمنة المطمئنة ُعلى أمر ِرسولها المحبوب، وأجمعت الأجساد الطاهرة المطهرة على عبادة الله وحده (جل ّ جلاله) الودود، وأقسم المسلمون المخلصون على ألا يوالوا الكافرين، وعلى أن يقاتلوهم إلى يوم الدين حتى يحكم الله بيننا وبينهم، ولو لم يجدوا غير الذر لقاتلوهم به، منفذين لحكم الله تعالى:"لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ِإلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ"آل عمران2
وإذا ما نظرنا إلى أسباب ِ عدم إجماع المسلمين اليوم على حكم رسول ربّ العالمين في وجوب قتال وصد الأعداء الصائلين على بلاد المسلمين، وإقامة الحد على المرتدين الموالين لليهود والصليبيين، ووجوب إقامة شريعة ربّ العلمين؛ لتكون لها السيادة على العالمين
فأجملها بالأسباب الآتية:
أولا -
أصلُ العداوةِ المتأصلةِ في نفس الشيطان وأوليائه من شياطين الإنس ضدّ الحقِّ وأهله:
وذلك قبلَ أنْ ينفخَ اللهُ الروحَ في آدم؛ فقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية (34) من سورة البقرة ما نصه: (فكان إبليسُ يأتيه فيضربه برجله فيصلصل) إلى أن ينقل قولَ إبليس (عليه لعنة الله) -عندما تخرجُ هذه الصّلصّلة - (لستَ شيئًا- للصلصلةِ - ولشيءٍ ما خلقتَ، ولَئِنْ سُلِّطتُ عليك لأُهلكنَّك، ولئن سلطتَ علي لأعصينَّك) ص184،مج1،
ومرورا بإهباط آدمِ (عليه السلام) وإبليسَ (عليه لعنة الله) قال تعالى:"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ"البقرة36، ثمّ وصولا إلى الأرض المستقرِّ والمستودع قال تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ"الفرقان31، وكذلك لأولياءِ الرحمن كونِهم أتباعَ الأنبياء.
فإذا تقررتْ في نفسِك أيّها المسلم، هذه الحقيقة؛ بأنَّ الشيطانَ للإنسان عدوٌّ، فحتما ستقرر في نفسِك الحقيقةُ الثانيةُ؛ بأنَّ بقاءَ هذه العداوةِ مستمرٌ حتى يرث اللهُ الأرضَ وما عليها، وهذا ظاهر جليّ في قولِه تعالى:"قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ"الحجر - 36 * 37.
ففي إنظار اللهِ (جلّ جلاله) للشيطان الرجيم؛ فلن يكونَ إلا ضالّا مضلّا، ولهذا؛ فقد أنكر الله تعالى على المسلمين أو على الناس أجمعين؛ أن يتخذوا الشيطانَ وذريته أولياءَ من دون ِالله قال تعالى:"أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ"الكهف50.