فنفسُه الطيبة المطمئنة كانت نفسًا مؤمنة ً خالية من النفاق، وإلّا لفعلَ كما فعلَ المنافقون عندَ أوليائهم الكفار، إذ أخبرَنا اللهُ (سبحانه) عن سوءِ فعلهم حيثُ يقول:"وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"المائدة62،
بل وجدناه (رضي الله عنه) يُلقي برسالة ملك غسّان في التنّور، ويحرّقها، ولم يبقِها عنده حتى لا يرجعَ إليها مرة أخرى، فتميلَ إليها نفسُه، وإلى ما فيها من إغراء بالنصرة وغيرها، فسدَّ (رضي الله عنه) بابَ الشيطان الذي يُوسوس له بالسّوء:"وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا"النساء38، وبابَ النفسِ الأمّارةِ بالسّوء:"... إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ..."يوسف53، فتخلصَ من عدوَينِ لدُوْدَين في آنٍ واحدٍ، وحفظ بذلك دينه وإيمانه بإخلاص ٍعزّ نظيره قال تعالى:"قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ"39 - 41الحجر
كما وإنه (رضي الله عنه) في ظرفه العصيب هذا؛ لم ينقطعْ عن عبادته لله (جل جلاله) ، فهو لم يزل وقتئذٍ قائما على صلاته بجد ونشاط، ما أقعده الهمّ أو الحزن او الكربُ عن صلاته كما كان يفعل المنافقون:"وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا"النساء142.
ولم يحتجْ على الله، ولم يتخذ من معاناته وكربه حُجة له على الله ولا على المسلمين؛ ليتخلى عن دينه الذي انقاد به إلى الله (سبحانه) ومبادئه التي سار عليها وعقيدته التي آمن بها، بل كان صابرا محتسبا آيبا إلى الله فتحقق فيه قولُه (جلّ جلاله) :"إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ"ص44.
فالصادقُ في عمله وعبادته لله المخلصُ لربّه في نيّته؛ لا ينبغي له إلا أن يكون كذلك:"أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ"4 الأنفال، فالصدقُ ينفعُ صاحبَه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والإخلاصُ يُنجِي من النيران:"قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". المائدة119
وفي هذا أيها المسلمون، قدوة لكل واحد منا على مرّ الزمان في الصبر والاحتساب إذا ما أصابه همّ أو غم أو كرب ولو وقع عليه ذلك من العالمين أجمعين، فيتصف بصفات سيدنا إبراهيم (عليه الصلاة السلام) التي وردت في القرآن الكريم:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ"التوبة114، وحتى لو لم ينصره أحدٌ منهم كلِّهم أجمعين، وهذه منزلة إيمانية سامية راقية لا يصلها إلا الصادقون المخلصون، فقد امتدح الله تعالى بها سيّدَنا إبراهيم (عليه الصلاة السلام) - لمّا لم يجدْ على الحق أعوانا وأنصارا، بل كان له أبوه عدوا مبينا - بقوله:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"النحل120
فإنّ مثلَ هذا المقام لا يسعُ المسلمُ الصادقُ فيه إلا أن يسترجعَ لله تعالى:"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"البقرة156، ويصبرَ على ما أصابَه في الله:"الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"النحل42، ويستسلمَ لأمر الله ويُخْضِعَ نفسَه له؛ مؤمنا بقوله تعالى:"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"التوبة51، ويداومَ على العبادة والتسبيحَ لربِّه الذي لا يموت، متمثلا قوله تعالى في واقعه وسلوكه:"وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا"الفرقان58.
وإذا وجدتَ ثمَ وجدتَ حبَّه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، واشتياقه لرحمة الله (تعالى) عندما كان يسلم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، كيف كان (رضي الله عنه) يرقبُ حركة شفتي النبيّ (صلى الله عليه وسلم) الكريمتين، أحرّكهما بردّ السلام عليه أمْ لا؟؟، طمعًا واشتياقًا في رحمة الله (تعالى) مقرا ومعترفا بظلمه لنفسه ولسانُ حاله يقول - في تلك اللحظة وفي كلّ اللحظات-:"رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"الأعراف23، معتصما ًبحبل ربّه المتين، مستمسكا بصراط الله المستقيم؛ وما ذلك إلا لإيمانه القويم:"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا".
وهذا عينُ ما فعله أخواهُ الكريمان (مرارة بن الربيع) و (هلال بن أمية- ذلك الشيخ الكبير الوقور) ، فما تنكبوا طريق رسولهم (صلى الله عليه وسلم) ، وما قالوا له: اعدل يا محمّد، فقد أغلظتَ علينا الحكمَ (رغم أنه عليه الصلاة والسلام أمرَ بسحب ِزوجاتِهم منهم) ليضاهئوا به قول الذين طعنوا بعدل رسولنا الأمين، فكانوا من الغاوين كالذي أخبرنا الله عنه بقوله (جلّ جلاله) :"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ"الأعراف175، فلقد كان إيمانهم برسولهم وبعدله وببقية صفاتِه كما حَكمَ ربّ العالمين إذ يقول:"لقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"التوبة128.
فلقد أجمع الثلاثة (رضي الله عنهم) على حالهم (لمّا ظلموا أنفسهم) مع الصحابة أجمعين على حكم رسول ربّ العالمين؛ فيما كانَ من أمر ِالمقاطعة، أو فيما ترتبَ عليها من أحكام، فصَدَقوا قولَ الله تعالى فكرا وسلوكا:"وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"آل عمران135