الصفحة 6 من 49

فأمّا صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما، وأمّا أنا فكنتُ أشبُّ القوم وأجلدَهم، فكنتُ أخرجُ وأشهدُ الصلواتِ مع المسلمين، وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد،

وآتي رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأُسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه؛ برد السلام علي أم لا؟ ثمّ أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظرَ إليّ، وإذا التفت نحوه أعرضَ عني،

حتى إذا أطال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيتُ حتى تسوّرت (عَلَوْتُ) جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحبّ الناس إليّ، فسلمت عليه؛ فوالله ما ردّ علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحبُّ اللهَ ورسولَه؟ فسكت. فعدتُ فناشدته، فقال: اللهُ ورسولُه أعلم، ففاضت عيناي، ووثبتُ فتسوّرت الحائط،

ثمّ غدوتُ إلى السوق، فبينا أنا أمشي بالسوق إذا نبطي يسأل عني من نِبط الشام، ممّن قدمَ بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب ِبن مالك؟ قال: فجعل الناسُ يشيرون له إلي، حتى جاءني، فدفع إلي كتابًا من ملك غسّان، وكتب كتابًا في سَرقة (وهي الشقة من الحرير) ، فإذا فيه:"أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبَك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحَقْ بنا نواسك"قال: وهذا من البلاء، قد بلغ بي ما وقعتُ فيه، أن أطمعَ في رجل ٍمن أهل الشرك.:"وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ"التوبة 118.

قال: فعمدتُ بها إلى تنور (فرن) فسَجرته (ألهبته) بها، فأقمنا على ذلك، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسول ِالله يأتيني، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرك أن تعتزلَ امرأتك، قال: قلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربْها، وأرسلَ إلى صاحبيّ بمثل ذلك.

فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا الأمر ما هو قاض. قال: وجاءت امرأة هلال بن أمية رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير، ضائعٌ لا خادمَ له، أفتكره أن أخدمَه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك؛ قالت: والله يا رسول الله ما به من حاجة إلي، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقد أذن أن تخدمه؛

قال: فقلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدري ماذا يقول لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شابٌ. قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، فكَمُل لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) المسلمين عن كلامنا.

ثمّ صليتُ الصبحَ، صبحَ الليلةِ الخمسين، على ظهر بيتٍ من بيوتنا، على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الأرضُ بما رحُبت، وضاقتْ علي نفسي:"، وقد كنتُ ابتنيت خيمة في ظهر سلع (وهو الشق في الصخر) ، فكنتُ أكونُ فيها * إذ سمعتُ صوتَ صارخ ٍ أوفى* على ظهر سلع يقول بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالك، أبشر، قال: فخررتُ ساجدًا، وعرفتُ أن قد جاء الفرجُ:"ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"التوبة118."

صورةٌ مشرقة أخرى من إجماع المسلمين على حُكم ِرسول ربِّ العالمين، يرسمُها خير المسلمين في صفحات تاريخ الإسلام العظيم، وما أعظمَها من صورةٍ يتوحَّدُ فيها تنفيذ ُالمسلمين والتزامُهم مع حكم ِرسولِهم (صلى الله عليه وسلم) !!!،

فهاهمُ الصحابةُ عامة ً قاطعوا الثلاثة الذين خُلِّفوا (أي أجل النبي الحكم عليهم) بحزم ٍدون أن يُظهِرَ لهم أيُّ واحد من المسلمين تعاطفًا أو لينًا أو دعمًا سرا أو علانية أو دون علم ِالنبيّ (صلى الله عليه وسلم) ، فيخرقون بذلك أمرَ الوحيّ من الله تعالى، بل هم يؤمنون أن لو فعلَ أحدُهم ذلك لتنزلَ فيه وحيٌّ من الله، فيكشفه ويفضحه، وهذا من عظيم إيمانهم، وهو إدراكهم حقيقة الوحيّ من الله سبحانه وتعالى.

وها هو كعبُ بن مالك نفسُه (رضي الله عنه) يأبى أن يبررَ أمامَ النبي (صلى الله عليه وسلم) بشيء يذب به عن نفسه كما برّرَ المنافقون، رُغم أنه صاحب حُجة وجدال، كما صرّحَ هو بذلك، ولكنّ إيمانَ كعبِ بن مالك بربه وبرسوله وبإسلامه؛ جعله يحترمُ إجماعَ المسلمين في مقاطعته، وينصاعَ لأمر نبيّه (صلى الله عليه وسلم) بلا جدال، ولم يجرؤ (رضي الله عنه) أن يرفعَ صوته فوقَ صوت ِالنبيّ متمثلًا قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ"الحجرات 2.

ثمّ تنبّه - أخي المسلم الصادق - كيف إنّه (رضي الله عنه) ما لجأ إلى الكفار قطُّ؛ لا مِن قبلِ رسالة ملك غسّان، ولا من بعد، على الرُّغم من قوة الدافع (في مثل ظرفه) لمثل ِهذا الفعل الخيانيّ، فالمقاطعة شديدةٌ جدًا، فلا أحدَ يُكلمه، ولا أحدَ يواسيه، ولا أحدَ يتعاطفُ معه، فتدبّر كيفَ وصفَ اللهُ تعالى حالَهم:"... حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ..."التوبة118،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت