وحزمُه هذا أدركهُ أبو سفيان نفسُه، ولذلك لم يُعدْ عليه الكرةَ مرة ثانية، فهل لنا بمثلك أيها الصديق الحازم في هذا الزمان!!! فلا نامت أعين الجبناء!!!!
أمّا موقفُ الفاروق ِعمرَ بن الخطاب (رضي الله عنه) ، هذا السيفُ القاطعُ لكلّ باطل ٍوشر ٍ، فما عُرِفَ عنه من قوة الشكيمة، وصراحتِه السديدة في قول الحق، وعدمِ خشيته من أهل ِالباطل، جعله يعلنها مدوية مجلجلة في وجه أبي سفيان قائلًا: (والله لو لم أجد غير الذر لقاتلتكم به) ، انظر إلى هذا الإصرار ِالعجيب؛ في النزول إلى حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
وهذه الصراحة والشجاعة في فلق ِهامة الكفر ورجالاتِه، أرأيتَ كيفَ أن عمر (رضي الله عنه) لم يهادنْ أبا سفيان، ولم يتبعْ وسطية سويدان (وحاشاه أن يفعل ذلك) ، فهو ركنٌ من أركان الإسلام الشديدة، فقد هاجرْ على مرأى من قريش متحديًا لهم، فما جرؤ أحدٌ منهم اللحوق به.
وهدمَ به الله (جلّ جلاله) ، إمبراطورية فارس المجوسيّة، وكان سديدَ الرأي، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستشيره في الأمور،
وها هي سيدة نساءِ أهل ِالجنة فاطمة الزهراء:"أتاني ملك فسلم علي نزل من السماء لم ينزل قبلها فبشرني أن الحسن و الحسين: سيدا شباب أهل الجنة و أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة". بنتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، تُجْمِعُ مع المجمعين على حكم ِرسول ربّ العالمين، فترفضُ أن يجيرَ ابنها الحسنُ (رضي الله عنه) حفيدُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا سفيان،
بل وترفضُ هي من قبل (رضي الله عنها) أن تجعلَ لأهل الكفر متنفسا ولو بشكل بسيط في ذرية رسولنا محمّد (صلى الله عليه وسلم) ، أو في آل ِبيته الأطهار (رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين) ، كيف لا!!، وقد أذهبَ اللهُ تعالى عنهم الأدناسَ والأرجاسَ:"يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"الأحزاب33.
وكذلك زوجُها عليُّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، هذا الأسدُ الهُمام الذي يحبُّه الله ورسولُه، لم يُجْمِعْ مع المجمعين فحسب، بل إنه جعلَ من الكفر وأهلِه ألعوبة وأضحوكة، وذلك عندما طلب من أبي سفيان أن يجير أمامَ الناس في المسجد، فيقولُ أبو سفيان: أينفع ذلك عند صاحبك؟؟
فيقولُ الأسدُ الهمام: لا. فتدركُ أخي، أنه (رضي الله عنه) ما زادَ (رضي الله عنه) كفرَهم وصدَّهم عن سبيل الله إلا ضحكًا وسخريةً وألعوبة.
هذا ما كانَ من خيرة خلق الله (بعد الأنبياء والرسل) من إجماع ٍعلى حُكْم ِرسول ِربِّ العالمين، فمَا دلسُوا على دين الله، وما داهنوا الكافرين؛ وإن كانوا أولي قربى، وما التفوا على حُكم رسول ربّ العالمين، كما التفَّ بنو إسرائيل على حكم الله لما نهاهم عن صيد يوم السبت، فأشغلوا أنفسَهم ثلاثة أيام ٍ؛ يومَ الجمُعَة لحفر ِالحُفر، ويومَ السبت لمراقبة الأسماك وهي تقع في تلك الحفر عندما يأتي البحرُ بمده، ويومَ الأحد لجمع الأسماك:"مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"القصص68، فتأمل ِالفارقَ أيها القارئ المسلم، بين إيمان الصحابة، وإيمان بني إسرائيل.
الموقف الثاني:
إجماعُ خير المسلمينَ على حكمِ رسول ربّ العالمين في نهي الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن كلام الثلاثة المخَلَّفين
قدمَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة، وقد كان تخلَّفَ عنه رهط ٌمن المنافقين، وتخلف أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية؛ فقد قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: لا تكلمُن أحدًا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلف من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفحَ عنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛
ولكنّ الثلاثة (كعب ومرارة وهلال) ، فلم يعذرْهم اللهُ ولا رسوله (صلى الله عليه وسلم) ، واعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة:"وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ"التوبة 118.
فيقول كعب (رضي الله عنه) في وصف حالهم: نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن كلامنا (أي الثلاثة) ، مِن بين مَن تخلف عنه، فاجتنبا الناسُ، وتغيّروا لنا، حتى تنكرتْ لي نفسي في الأرض، فما هي بالأرض التي كنتُ أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة،