الصفحة 4 من 49

لقد كان لكم في قصصهم عبرة وآية، فعلى آثارهم منا المخلصون يُهْرَعُون، إذ سأتلوا عليكم من نبئِهم ذكرا؛ لنتبينَ إجماعَ خيرِ المسلمين على حكمِ رسولِ ربّ العالمين، من مواقفهم في سيرة سيد المرسلين (عليه أفضل الصلاة والتسليم) .

الموقف الأول:

إجماعُ خير المسلمينَ على حكمِ رسول ربّ العالمين في خروج أبي سفيان إلى المدينة لتجديد الصلح (صلح الحديبية) وإخفاقه

خرج أبو سفيان حتى قدمَ على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة، فدخل على ابنته أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلسَ على فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طوته عنه؛ فقال: يا بنية، ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنت رجل مشركٌ نجس، ولم أحبْْ أن تجلسَ على فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.

ثمّ خرجَ حتى أتى رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا، ثمّ ذهبَ إلى أبي بكر (رضي الله عنه) ، فكلّمه أن يكلّمَ له رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ فقال: ما أنا بفاعل، ثمّ أتى عمرَ بن الخطاب (رضي الله عنه) فكلمه؛ فقال: أأنا أشفعُ لكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟!

فوالله لو لم أجدْ إلا الذر لجاهدتكم به. ثمّ خرجَ فدخلَ على عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، وعنده فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنها) ، وعندها الحسن بن علي غلامٌ يدبُّ بين يديها، فقال: يا علي، إنك أمسّ القوم بي رحمًا، وإني قد جئتُ في حاجة فلا أرجعنّ كما جئتُ خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزمَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.

فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بُنيَّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيّدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنيَّ أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول (الله صلى الله وسلم) ؛ قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمورَ قد اشتدّت علي، فانصحني؛ قال: والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا، ولكنك سيدُ بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثمّ الحَقْ بأرضك؛ قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكني لا أجد لك غيرَ ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، قد أجَرْتُ بين الناس، ثمّ ركبَ بعيرَه فانطلق، فلما قدمَ قريشًا قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما ردّ علي شيئًا، ثمّ جئت ابن أبي قحافة، فلم أجدْ فيه خيرًا، ثمّ جئتُ ابنَ الخطاب، فوجدته أدنى العدو.

فما أعظمَك أيّها الصديق، يا صاحبَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وما أعظمَ ردّك على أبي سفيان في هذه الواقعة، كيف لا! وأنت الذي نلتَ شرفَ الهجرة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة، وتحمّلتَ في سبيل ِالدعوة إلى الله الكثيرَ من الأذى، وأنت سيّدٌ من سادات قريش!!!.

فلما جاء عقبة بن أبي معيط مرةً إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ وهو يصلي فوضعَ اللعينُ حبلًا على عنق النبي (صلى الله عليه وسلم) وشدّ بقوة شدًا عنيفًا، فقامَ إليه هذا الجبلُ الأشم، يدافع عن رسول ِالله (صلى الله عليه وسلم) وهو يقول: (أتقتلون رجلًا أنْ يقول ربيَ اللهُ وقدْ جاءكم بالبيّنات من ربكم؟!) .

ولمّا خرجَ النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) مهاجرًا إلى المدينة ليلًا خرجَ معه الصديق، فكان نعمَ صاحبٍ لخير صاحب، فجعلَ يمشي مرة أمامَه ومرة خلفَه، ومرة عن يمينه، ومرة عن شماله، حماية ًوفداءً ورعاية ً للرسول (صلى الله عليه وسلم) .

وقد اشتهر سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) بالزهد والورع والتواضع، ورُغم تواضعه هذا إلا أنه كان حازمًا (بلا ظلم) في المواقف التي لا مجال فيها إلاّ للحزم،

ومنها موقفه هذا مع أبي سفيان لمّا جاء يجدّد الصلحَ مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فطلبَ أبو سفيان من أبي بكر (رضي الله عنه) المساعدة، فردّ ردًا حازمًا يضمنُ به عدمَ تلقيه إعادة المحاولة أو الكرَّة في طلب المساعدة مرة أخرى، فقال: لا أفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت