الصفحة 3 من 49

ولا تفتُّ من عزائمهم الاتهاماتُ"وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"يونس65، ولا تعيقُ حركتهم ودعوتهم الخطوبُ والملماتُ المُدْلهمات:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"آل عمران173

نعم، هذه هي أعمالهم، وهذه هي صفاتهم، فقد كان لهم في رسول الله أسوةٌ حسنة، لأنهم كانوا يرجون اللهَ واليوم الآخر، وما بدلوا تبديلا؛ حتى أتاهم اليقينُ، وهم كذلك.

وأما إنْ سألتني عن مدى رسوخِ وعمق هذه العقيدةِ في قلوبهم، فإنّ قصة (مُحَيِّصَة) ستكشفُ لك أخي، (بكلّ جلاءٍ وبكلّ وضوح) عن مدى هذا الرسوخ العميق؛ لتلك العقيدة في نفوسهم، فقد شغفتهم حبا، وأُشْربُوا في قلوبهم دينَ الله (عقيدة وشريعة) ، فأنزلوا هذا الدينَ العظيمَ في واقعهم فكرًا وسلوكًا:"وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"البقرة82

فما داهنوا في عقيدتهم أحدًا، وما والوا كافرا ولا مشركًا نزرا (3) ، وما نزلوا عند رغباتِ المنافقين مطلقًا، وما حادوا عن قول ربهم الحكيم:"وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ"النساء89.

فقد ذكر ابن هشام في سيرته قصة لومِ (حُوْيْصَة) لأخيه (مُحَيِّصَة) لقتله يهوديًا، ثمّ إسلامه؛ لما قال رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) :"من ظفرتم به من الرجال يهودٌ فاقتلوه."فوثب مُحَيِّصَةُ بن مسعود، (ويقال: مُحَيِّصَة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس) - على ابن سَنينة (رجلٌ من تجاراليهودِ، كان يلابسُهم ويبايعُهم) ، فقتله.

وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ من مُحَيِّصَة، فلمّا قتله جعلَ حويصة يضربه، ويقول: أي عدو الله، أقتلته، أمَا والله لَرُبّ شحم في بطنك من ماله. قال مُحَيِّصَة؛ فقلت: والله لقد أمرني بقتله مَن لو أمرني بقتلك لضربت عنقك؟ (يقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم) قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة قال: آوالله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، واللهِ لو أمرني بضرب عنقك لضربتها! قال): والله إنّ دينًا بلغ بك هذا لعجبٌ، فأسلم حُويصة. (

فتبينْ أخي المسلم، بإمعانٍ مدى عمقِ العقيدة في قلب (مُحَيِّصَة - رضي الله عنه) فما كان ليداهنَ أخاه في دين الله، أو يحابيه على أمر ِرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فيعصي رسولَه ويقدّم على أمره حبَّ أخيه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"الحجرات1، فيحلُّ عليه غضبٌ من الله المنتقم الجبار، وما كان ليفعل ذلك وهو من الذين قال الله فيهم:"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ". الحجرات3.

كلا، فما يكونُ منه ذلك، وما ينبغي له، ولا من غيره من الصحابة الأطهار، فإن هذا الدين الذي حملوه (فكرًا وسلوكًا) هو دين محمّد (صلى الله عليه وسلم) ذلك الدين القيم،

فإنّ صدقهم في حملِه في حياتهم وواقعهم (فكرًا وسلوكًا) ، وامتدادَ عمقِه إلى شغاف قلوبهم هو الذي دفع مُحَيِّصَة أن يقولَ لأخيه حُويصة): واللهِ لقد أمرني بقتله مَنْ لو أمرني بقتلك لضربتُ عنقك). ويعني بذلك (رسول الله - صلى الله عليه وسلم) .

وإنّ هذا العمقَ الإيمانيَّ الصادقَ المخلصَ هو الذي دفع (حُويصة) إلى أن يسلم، فهذا هو إسلامهم واستسلامهم لله (جل جلاله) :"وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ". لقمان22.

وهذا هو انقيادهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ،وقد حققوا قول الله تعالى:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا"الأحزاب36،

فكيف يعصون رسولهم (صلى الله عليه وسلم) ؟! وقد أيقنوا بأن محبَّة الله لهم لا تتأتى لأحد إلا بمتابعته لنبيه، يقول الله جلّ جلاله:"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ"آل عمران 31

"فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ"الحشر2،"فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"المائدة100،"فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا"الطلاق10، يقول الله جلّ شأنه:"مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ"الفتح29

يا أيها المسلمون الصادقون المخلصون الذين لا يخشون في الله لومة اللائمين؛ أينما كنتم!

أيها المسلمون المؤمنون بقول ربكم جلّ جلاله"يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت