مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ"124 - 127التوبة"
فعندها نقول لكم قوله الله تعالى"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"128 - 129التوبة، فلا تتولوا عنه، وعن سنته،
وتوبوا إلى الله تعالى، وصححوا منهجكم وسيِّروه على صراط الله المستقيم، وأعلنوها مدوية بأنكم برءاء من كل مناهج الشرك والكفر وعلى رأسها الديمقراطيات التي لطالما آمنتم بها منهاجا ودستورا على الصعيد العملي لحركتكم، وبالإسلام حلا؛ شعارا شكليا مرفوعا على الصعيد النظري لحركتكم وأذكركم بقول الله تعالى:"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (146) النساء
فتوبوا إلى لله، وأطيعوه، وأصلحوا منهجكم على منهاج نبيكم (عليه الصلاة والسلام) ؛ بلا تحريف، ولا تدليس، وبينوا للناس الحق من الباطل، يغفر الله لكم ذنوبكم، ويجركم من عذاب السعير
قال جل شأنه:"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"34 - 36المائدة
فكونوا منهم يا رجال حماس، إن كنتم تتقون الله (جلّ جلاله) ، ولا تكونوا من الخالفين، ولا تكونوا كمثل الذين أخبرنا الله تعالى عن حالهم وواقعهم:"قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ"الأعراف 76، بل نتيجة حالهم أضحت كقوله تعالى:"فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ"الأعراف133، فاستحقوا بذلك وعيد الجبار (جل شأنه) :"وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"الأعراف36.
فلاحظ أخي المسلم الصادق، كيف قرن الله تعالى في الآية الكريمة السابقة بين الكذب والاستكبار؛ ليدلنا الله تعالى على أن التصديق بآيات الله قولا مجردا لا يكفي لبلوغ الإيمان؛ لأن التصديق بآيات الله يجب أن يقرنه العبد الصادق في عبوديته لله بالخضوع التام لأوامر الله تعالى في الآيات التي يسمعها؛ أمرا، ونهيا، فيفعل ما أمر الله، وينتهي عما نهى الله
ثالثا -
الكذب:
إن إبليس اللعين كان أول من كذب واستخدم الكذب ذريعة له يعصي بها الله (جل جلاله) ويرد به الأمر على الآمر حيث:"قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"12 الأعراف. . فهذا من كذبه واستكباره، فليست النار بأفضل من الطين (ارجع إلى زاد المعاد لابن القيم رحمه الله فقد فصل في المسألة) ، وبهذا أصبح إبليس عليه لعنة الله شيطانا رجيما إلى يوم الدين.
والكذب له جانبان: الجانب الأول؛ أن يخفي الكاذب الحق والحقيقة، وهو يعلمهما في قرارة نفسه ويظهر غيرهما قال الله تعالى في ذلك:"وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"آل عمران75، ومن صوره التي بينها الله تعالى:"ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ"الأنعام93؛ لغرض فاسد في نفسه!
والجانب الثاني: أن يرد فيه الكاذب الحق والحقيقة:"وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ"66الأنعام؛ ليضل به الناس بغير علم، وقد بين الله ذلك في قوله تعالى:"فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"الأنعام144. بل تجده ينصب نفسه محاربا للحق والحقيقة، ويعمل جاهدا لإظهار الباطل مكانهما:"يرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"التوبة32، وينافح عنه بضراوة:"وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ"غافر5 - حتى لو علم أن الذي أمامه يعلم أنه من الكاذبين - لأن الكاذب في غالب طبعه يكون أيضا- فوق كذبه - وقحا مفتريا:"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".الصف7.