فهرس الكتاب
(إنهما طبيعتان .. طبيعة النفاق والضعف والاستخذاء. وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء. وإنهما خطتان .. خطة الالتواء والتخلف والرضا بالدون. وخطة الاستقامة وبالذل والكرامة.
فإذا أنزلت سورة تأمر بالجهاد جاء أولو الطول، الذين يملكون وسائل الجهاد والبذل. جاءوا لا ليتقدموا الصفوف كما تقتضيهم المقدرة التي وهبها الله لهم، وشكر النعمة التي أعطاها الله إياهم، ولكن ليتخاذلوا ويعتذروا ويطلبوا أن يقعدوا مع النساء لا يذودون عن حرمة، ولا يدفعون عن سكن، دون أن يستشعروا ما في هذه القعدة الذليلة من صغار وهوان، ما دام فيها السلامة، وطلاب السلامة لا يحسون العار، فالسلامة هدف الراضين بالدون.
إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين، وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هربا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها، وتفرق من صداها، يحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة .. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون، ومن هؤلاء .. أولئك الذين"رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون"..
"لكن الرسول والذين آمنوا معه".. وهم طراز آخر غير ذلك الطراز .."جاهدوا بأموالهم وأنفسهم".. فنهضوا بتكاليف العقيدة، وأدوا واجب الإيمان، وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود"وأولئك لهم الخيرات"خيرات الدنيا والآخرة، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية. وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى، ولهم رضوان الله الكريم"وأولئك هم المفلحون".. الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم، والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم:"أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها".."ذلك الفوز العظيم"."وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم".. ) ا. هـ
فمن كان هذا حالهم، فإننا نقول لهم قول الله تعالى:"إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ"التوبة83، أو إنكم تثبتون صدق إيمانكم بالله، وتلحقون بركب الإيمان الحق:"أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"الزمر22، وتكونون من:"الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"23الزمرِ؛ لأن الله تعالى بين صفات المؤمنين وإيمانهم فقال:"إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"الحجرات15
فكن أخي المسلم الصادق، من المؤمنين الصادقين بلا تردد، وإياك أن تسمح للشك أن يغزو قلبك، فيبطل يقينك بالله، لأن اليقين ليس له درجات، وإنما يبطله الشك، فتنبه!
ثالث عشر -
اختلاق الأعذار:
وهذا من طبع المنافقين، والعياذ بالله فما من هيعة غزاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) ؛ وصحابته الكرام أو صيحةٍ إلاّ وبادر المنافقون باختلاق الأعذار؛ حتى لا يكون لهم أي جهد في نصرة دين الله، فهمُّهم نقيض ذلك تماما وهو أن يهزم الدين، فمرة يقولون:"شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا"الفتح 11. ومرة يقولون:"بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ"الأحزاب 13. ومرة يقولون للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) :"ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي"التوبة 49. فخافوا أن تفتنهم بنات بني الأصفر -حسب زعمهم- فحاولوا التعذر بعذر كاذب هو (النساء) وهم قد سقطوا بما هو أعظم من ذلك، وهي فتنة الشرك بالله لذلك، فأجابهم الله جل جلاله:"أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ"التوبة 49 أي فتنة الشرك.
ومرة خافوا على أنفسهم من الحر الشديد فقالوا:"لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا"التوبة 81.
فلاحظ كيف حاولوا أن ينقذوا أنفسهم من حر ٍ شديدٍ زائل ٍ؛ هو حرّ الشمس البعيدة عنهم، ولكنهم ولجهلهم ألزموا أنفسهم؛ نار جهنم القريبة منهم، بل هي أمّهم التي تحتضنهم في قعرها ودركها أبدًا:"فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ"القارعة9.
كذا كان (للمنتسبين إلى الإسلام) نصيب من هذا الأسلوب الرديء في التخلف عن ركب الجهاد، وهذا حال أهل المعصية؛ فهم دائمًا يبررون معصيتهم ويختلقون لها الأعذار الكاذبة، والتي يظنون بها أنهم ناجون من عذاب الله جل جلاله، أو من المسؤولية في الحياة الدنيا، فتارةً