فهرس الكتاب
لسادته الضالين:"وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ"البقرة167
خامس عشر -
الكسل والخمول والميل بالنفس إلى نعيم الدنيا وزينتها:
قد تصلت الدنيا على الإنسان بزخرفها وزينتها، فتصيبه بمرض الخمول والكسل عن واجباته الشرعية الرئيسة التي تعبدنا الله بها وأوجبها علينا ومنها فريضة الجهاد"أرضيتم بالحياة الدنيا عن الآخرة"فينحى الإنسان منا إلى حياة الدعة والسرور والانبساط، وإلى الاغترار بالدنيا ونعيمها، فيتراخى الإنسان عن واجبه الرئيس؛ فيبيع الرخيص بالنفيس بعرض من الدنيا قليل،
فيغَترّ ذلك المتثاقل بهذا القليل، ويأخذ منه الخمول والكسل مأخذا كبيرا؛ ينأى به إلى ملذات الدنيا وشهواتها، فترق نفسه إلى حياة الدعة والسرور في ظل أشجاره ومزروعاته ومعروشاته من (روف الفلل) والشقق والدور، وماء بارد مهدور، والقناطير المقنطرة وغير المقنطرة.
فيتثاقل عن واجب الجهاد في سبيل الله جهاد العدو الصائل المغرور، وقد أخبر الله تعالى عن حال ذلك المتثاقل ومن شاكله في سلوك الكسل والخمول عن ذروة سنام الإسلام بقوله جلّ شأنه:"ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ..."
فمن كانت هذه حاله؛ أعمى عن حجج الله وآياته المنقولات البينات في وجوب الذب عن أمة الإسلام ضد الأعداء الصائلين"فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى"الإسراء 72. أي: كذلك يكون،"وَأَضَلُّ سَبِيلًا"الإسراء 72. أي: وأضل منه، كما كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك.
ولعل قصة أبي خثيمة (رضي الله عنه) التالية؛ تبين للقارىء المسلم الكريم أن المؤمن الصادق إذا مسه طائف من ذلك؛ ذكر الله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" (201) الأعراف، ثم استغفر ربَّه وأناب، ثم يلتحق بركب المجاهدين مفضلا ومرجحا ما عند الله من النعيم المقيم على عرض من الدنيا زائل حقير، فاقرأ واعتبر أخي المسلم العظيم:
شأن أبي خثيمة (رضي الله عنه)
قال ابن اسحق:
ثم رجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على سفره، ثم إن أبا خثيمة رجع بعد أن سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أيامًا إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماء، وهيأت له فيها طعامًا. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحِّ والرّيح والحرّ، وأبو خثيمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم، ما هذا بالنَّصَفِ! ثمّ قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم،/ فهيئا له زادًا، ففعلتا.
ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أدركه حين نزل تبوك. وقد كان أدرك أبا خثيمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ، فتفارقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خثيمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تخلف عني حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بتبوك، فقال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل؛
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} : كن أبا خثيمة؛ فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خثيمة.
فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ؛ فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} : أولى لك يا أبا خثيمة. (اللحاق بالمجاهدين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم) ، ثم أخبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الخبر؛ فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خيرًا، ودعا له بخير.