الصفحة 37 من 49

يرى الأمر هينا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها!

ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!

والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن ان يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان، فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، وليس فيها فاضل ومفضول، وليس فيها ضروري ونافلة وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه، كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره!

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها!

والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛ هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصرا! في ظلال القران، سيد قطب، مج4،ص2245، تفسير سورة الإسراء.

سابع عشر -

اللَّبْسُ والتلبيس على عوام المسلمين:

واللبس: اللبس اختلاط الأمر. لَبِسَ عليه الأمر يَلْبِسُه لَبسًا فالتبس إذا اختلط عليه حتى لا يعرف جهته. وفي المولج والمبعث. فجاء الملك فشق عن قلبه، قال: فخفت أن يكون قد التبس بي أي خولطت في عقلي، من قوله في رأيي لبس بي أي اختلط، ويقال للمجنون: مخالط،

والتلبيس كالتدليس والتخليط،

وكان كفار قريش يلبسون على ضَعَفتِهم في أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقالوا: ومنه الحديث: من لَبِسَ على نفسه لبسًا، قال وربما شدده للتكثير،

وأنشد أبو حنيفة:

تَلَبَّسَ حُبُّها بدمي ولحمي ... تَلَبُّسَ عطفةٍ بفروع ضال

ويقول الحق تبارك وتعالى:"وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ *"42 - 43 البقرة

يقول الله تعالى ناهيًا اليهود عما كانوا يتعمدونه، من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل:"ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"؛ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به، ولهذا قال الضحاك، عن ابن عباس:"ولا تلبسوا الحق بالباطل": لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب.

وقال أبو العالية:"ولا تلبسوا الحق بالباطل"يقول ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) ويروى عن سعيد بن حبير والربيع بن أنس، نحوه.

وقال قتادة:"ولا تلبسوا الحق بالباطل": قال: ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام؛ إن دين الله هو الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.

وقال محمد بن إسحق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس:"وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"، أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعملون من الكتب التي بأيديكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت