الصفحة 38 من 49

وروي عن أبي العالية نحو ذلك. وقال مجاهد والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس"وتكتموا الحق"يعني محمدًا.

قلت:"وتكتموا"يحتمل أن يكون مجزومًا، ويجوز أن يكون منصوبًا، أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا، وكما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود"وتكتمون الحق"أي في حال كتمانكم الحق، وأنتم تعلمون: حال أيضًا ومعناه وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل.

"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين"قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب:"وأقيموا الصلاة"أمرهم أن يصلوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) "وآتوا الزكاة": أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) "واركعوا مع الراكعين"أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ، يقول: كونوا معهم ومنهم، وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس يعني بالزكاة وطاعة الله والإخلاص.

فالدعوة إلى الله قائمة إلى يوم الدين، وهي واجبة على المسلمين:"فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ"15الشورى، وهذه الدعوة إلى الله تعالى، وهذه الاستقامة لا يمكن أن تكون، ولا يمكن أن يقبلها الله تعالى إلا إذا كانت على منهاج رسوله الكريم تحقيقا واتباعا لقوله تعالى:"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"31آل عمران. وقوله جلّ جلاله:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ"64النساء

فمحبة الله (جل شأنه) لا تتأتى لأحد إلا إذا تابع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويسلم في هذه المتابعة تسليما تاما تحقيقا لأمر الله تعالى:"فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"65 النساء. ولذلك وضع العلماء شرطين لقبول العمل عند الله تعالى: الأول؛ الإخلاص، والثاني؛ المتابعة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولكن (المنتسبين إلى الإسلام) تنكبوا طريق الرسول القويم، وصراط الله المستقيم، فأنشأوا ما يسمى بحوار الأديان، فدلسوا على المسلمين ولبسوا الحق بالباطل، فكان حوارهم مع كل أرجاس وأنجاس الدنيا ليس على أسس الدين القويم، ولا على أساس صراط الله المستقيم،

ومن هذه الأسس العظيمة القويمة على سبيل المثال لا الحصر؛ قوله تعالى:"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"19- 20آل عمران.

وليس على أساس قوله تعالى:"وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"85 آل عمران.،

وليس على أساس قوله تعالى:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ"62الحج. وليس على أساس قوله تعالى:"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ"48المائدة.

إذن إذا كان الحوار لا بد منه مع الفئات التي أجاز الله لنا أن نحاورها من غير الأعداء الصائلين؛ فيجب أن يكون مبنيا على الأسس والقواعد الشرعية التي بينها الله تعالى في محكم التنزيل،

فالحوار يجب أن يكون على أساس أن الدين عند الله الإسلام، وعلى أساس دعوتهم للدخول في هذا الإسلام، وعلى أساس أنهم إذا ابتغوا غير الإسلام دينا، فلن يقبل الله منهم، وهم في الآخرة من الخاسرين، وعلى أساس أن الله (جل جلاله) هو وحده الحق، وأن ما يدعون ويعبدون من دونه الباطل، وأن الإسلام هو المهيمن على الأديان كلها أي ناسخها؛ فلا إيمان ولا عمل إلا بالإسلام، وعلى أساس قوله تعالى:"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"البقرة257. وغير ذلك من الأسس والقواعد.

ولكننا نجد أن حوار (المنتسبين إلى الإسلام) مع غيرهم من أصحاب الأديان البالية لم يكن قط وفق القواعد المقررة شرعا، بل يجعلونه على أساس النظرية التوفيقية التوافقية بين الكفر والإيمان، وبين الحق والباطل، وبين الموحد والمشرك، وبين الحر والحَرور، وبين المسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت