فهرس الكتاب
إليها والإنذار بها. لقد حاربها أهل مكة من يوم بعثه إلى يوم هجرته
أهوال الحرب, فحال دون ذالك دون امتلاء كل القلوب بنورها وكل
الانفس إيمانا بها من خوف أذى قريش وعنتها. والأذى والعنت يحولان
بين الإيمان والقلوب التي لنا يدخل الإيمان فيها. فيجب ان يؤمن المسلمون
ويؤمن غيرهم بان من اتبع الهدى ودخل في دين الله بمأمن من ان يصيبه الأذى , ليزداد المؤمنون إيمانا, و ليقبل على الإيمان المتردد الخائف والضعيف. في هذا كان يفكر محمد أول طماتينته إلى مسكنه في يثرب
والى هذا كانت تتجه سياسته. وفي هذا الاتجاه يجب ان يترجم لحياته
هو لم يكن يفكر في ملك ولا مال ولا تجارة, بل كان كل همه توفير
الطمانينة لمن يتبعون رسالته, وكفالة الحرية لهم في عقيدتهم ... ككفالتها لغيرهم في عقيدتهم. يجب ان يكون المسلم واليهودي والنصراني سواء في
حرية العقيدة, وفي حرية الرأي وحرية الدعوة إليه. فالحرية وحدها كفيلة
بانتصار الحق وبتقدم العالم نحو الكمال في وحدته العليا. وكل حرب على
الحرية تمكين للباطل ونشر لجيوش الظلام لتقضي على جذوة النور المضيئة في النفس الانسانية, والتي تصل بينها وبين الكون كله, من أزله إلى
أبده, صلة اتساق ومحبة ووحدة, لا صلة نفور وحرب وفناء.
هي الوجهة في التفكير هي التي نزل بها الوحي على محمد منذ الهجرة
وهي التي جعلته جنوحا للسلم, راغبا عن القتال, مقتصدا طول حياته
اشد القصد فيه, غير لاجئ إليه إلا لضرورة تقتضيه الدفاع عن الحرية
دفاعا عن الدين وعين العقيدة.