الصفحة 114 من 142

قلت: فهل يحتج عاقل على أحد من الناس - فضلا عن الاحتجاج به على كبار علماء الأمة - بفهم أو قول من هذا رأيه فيهم،، إلا إذا قصد فاعل ذلك ضرب الأئمة بعضهم ببعض، فتراه يحتج هنا بكلام ابن حزم على مالك، وبكلام ابن عبد البر المالكي على ابن حزم الظاهري، فهل ينتج هذا إلا من اضطراب في منهج التفكير، وسوء في الاستدلال.

الثانية: لو فطن الشيخ، وأراد التخلص من اعتراض المعترضين عليه فيما تقدم من احتجاجه بكلام ابن حزم مع سوء قوله في الظاهرية؛ لكان احتجاجه في هذا الأمر - وفيما يأتي من الكلام على عمل أهل المدينة- بكلام الإمام الشافعي أولى به، فكلامه هو الأصل في هذا الباب، وليس لمن جاء بعده إلا الاستكثار من الأمثلة، وما ذكره الشيخ عن ابن حزم هنا، سبق أن ذكره الإمام الشافعي في كتاب [اختلاف مالك والشافعي] 7/ 248.

الثالثة: كلام الإمام مالك في هذه المسألة- بخصوصها- الذي نقله الشيخ عن ابن حزم، كان محل ثناء من قبل جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- الذي قال في مجموع الفتاوى 20/ 389: (فمالك بحث فيها - القضاء بشاهد ويمين- في موطئه بحثا لا يعد له نظير في الموطأ) .

ثم نأتي - بعون الله - إلى نقض ما ادعاه الشيخ في هذه العبارة، وذلك في مسائل فأقول:

المسألة الأولى: قوله: كما عيب على مالك قلة إطلاعه على غير أقوال المدنيين.

قلت: لم يذكر الشيخ من عاب الإمام بذلك، ولم يذكر على قوله دليلا ينهض لإثبات دعواه، وما ذكره عن ابن حزم لا يفيده شيئا، فكان حق ما هو كذلك الإطراح، ولكنني لا أتجاوز هذه الدعوى حتى أنقضها - بإذن الله - من أساسها باختصار، وذلك من وجوه.

الأول: ما علم من انعقاد إجماع علماء الأمة على بلوغ مالك درجة الاجتهاد المطلق المستقل، حتى أصبح له مذهب معروف، أجمع أهل العلم - حاشا من ينكر التقليد - على جواز تقليد العامي له فيه، ولا يصل أحد إلى هذه الدرجة من العلم حتى يتحلى بصفات منها: (العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه ليتبع الإجماع، ويجتهد في الرأي مع الاختلاف) .الفقيه والمتفقه 2/ 330 - 331. وقد كثر كلام أهل العلم في بيان أهمية معرفة هذا، يجد الشيخ طائفة منه في جامع بيان العلم 2/ 808 - 820. وينظر في معرفة أهمية ذلك للمجتهد الموافقات للشاطبي كتاب الاجتهاد.

الثاني: شهادة أهل العلم لمالك بمعرفة مواقع اختلاف أهل العلم، فقد نقل القاضي عياض عن البهلول بن راشد وغيره، قال: (كان من أعلم الناس بالرد على أهل الأهواء، وبما اختلف فيه الناس) . المدارك 1/ 82. وفي شهادة محمد بن الحسن للإمام الشافعي بتفوق مالك على أبي حنيفة -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت