فهرس الكتاب
فلو ذهبنا نطلب من الشيخ أن يعدد لنا هذه الكثرة المزعومة لدعوى الإمام للإجماع مع اختلاف الناس كثيرا فلن يجد لذلك سبيلا، ولا شك أنه سيهرع لابن حزم لينقذه، وأحسن حاله أن يستنجد بالإمام الشافعي، وليس أحد منهما بمستصرخه، فليأتنا الشيخ من الكثير بعشرة أمثلة جمعت الشرط الذي ذكره.
والمتتبع لكلام الإمام مالك في الموطأ لا يجده يذكر كلمة [إجماع] مطلقة هكذا، وما أظنه يجده يذكرها في غيره من المصادر، وليس ذلك لأن الإمام لا يحتج بإجماع الأمة، أو أنه يرى أن إجماع أهل المدينة هو إجماع الأمة - كما أخطأ عليه البعض في ذلك - و كذلك ليس لأن مصطلح الإجماع المعروف لدى أهل العلم لم يكن قد تبلور بعد في زمنه كما يقول بعض المستشرقين، ومن تبعهم من كتبة المسلمين= وإنما يجد الإمام يذكر إجماع أهل المدينة، فعندما يريد أن يحتج بعمل أجمع عليه أهل المدينة، أو أغلبهم يقول: [الأمر المجتمع عليه عندنا] أو يقول: [الأمر الذي لا اختلاف فيه] ، ووصف العمل بالإجماع أمر زائد على العمل، أريد به التعبير عن اتفاق أو عدم معرفة خلاف، فإذا كان في المسألة خلاف استعمل الإمام مصطلحات أخرى تدل على العمل. وليكن معلوما أن كل إجماع لأهل المدينة فهو عمل، وليس كل عمل لأهل المدينة مجمعا عليه عندهم، ومن لم يفرق في هذه يقع في خطأ كبير على الإمام وأتباعه.
وقد تتبع الحافظ ابن حزم - رحمه الله - المسائل التي احتج بها الإمام مالك، على أنها إجماع أهل المدينة، فبلغت عنده نيفا وأربعين مسألة، قسم منها - وهو الأقل عنده - لا يعلم فيه خلاف، وقسم وهو الأكثر وجد فيه الخلاف بالمدينة وغيرها،، الإحكام 4/ 208 - 209 منشورات الآفاق.
وقد أحصاها غيره فبلغت واحدا وستين مسألة، مع ضميمة أربع مسائل من المدونة، فالكل خمس وستون مسألة، وهذا العدد يمثل خمس المسائل التي بناها الإمام على عمل أهل المدينة.
المسألة الثالثة: إذا علم ما تقدم، فما قول الشيخ محمد عن الإمام: (وكثرة زعمه الإجماع فيما اختلف فيه الناس كثيرا) هكذا بدون قيد؛ إلا تضليل وإيهام للقراء بأن الإمام يحتج بإجماع علماء الأمة مع كثرة اختلافهم، ولا يفعل هذا إلا من بلغ في .... مبلغا عظيما، هكذا يريد الشيخ أن يفهم القراء. وطلابُ العلم اليوم، بل حتى الكثير من العوام، لا يجهلون ما اشتهر عن الإمام أحمد-رحمه الله - أنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لا يدري لعل الناس اختلفوا. فإذا ضمت هذه إلى عبارة الشيخ السابقة - ونحمد الله أنها لم تصدر من إمام معتبر- فالنتيجة معلومة. ونعوذ بالله من قول يفضي إلى هذه.
المسألة الرابعة: ومما يزيد الأمر سوأ، أن الكلام في صورة الاجتماع، يخالف معناه في افتراقه، فقول الشيخ: كما عيب على مالك قلة إطلاعه على أقوال غير المدنيين، ثم يردفها بقوله: وكثرة