الصفحة 117 من 142

زعمه الإجماع ... فهذا مما يزيد وضع الإمام سوأ، فمع قلة إطلاعه ... يزعم الإجماع، ويزيد الشيخ محمد من تفننه في التعمية، فيقول: فيما اختلف فيه الناس كثيرا، ولم يقل: فيما اختلف فيه أهل المدينة، أو علماء المدينة، أو علماء المسلمين حتى يكون كلامه نصا في إجماع أهل المدينة، أو إجماع علماء الأمة؛ فإذا حوقق قال: إنما أردت إجماع أهل المدينة، والناس في كلامي المراد بهم أهل المدينة، وهو من باب قوله تعالى: [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم] . هل تراني بالغت في حق الشيخ؟ أنا عند نفسي ما أظن، والأمر عندي أسوأ من ذلك، ولعل من تدبر المقال جيدا يقول أكثر مما قلت.

المسألة الخامسة: وما ذكره الشيخ عن ابن حزم على أنه دليل لدعواه الباطلة تلك، فباطل لخطأ الإمام ابن حزم على الإمام مالك في مواقع من كلامه، فيما بيّنه أهل العلم منذ أزمان بعيدة، وإليك ذلك:

الأول: قال العلامة ابن القيم - رحمه الله- في كتابه [الطرق الحكمية] ص 121 من طبعة الفقي، بعد أن ذكر كلام ابن حزم في المحلى 9/ 380 وتعجبه من كلام الإمام مالك في موطنين منه، أحدهما مسألتنا هذه، قال: (قلت: ليس في واحد من الأمرين عجب. أما حكايته الإجماع: فإنه لم يقل: لا خلاف أنه لا يحكم بالنكول، بل إذا نكل، ورد اليمين: حكم له بالاتفاق، فإن فقهاء الأمصار على قولين، منهم من يقول: يقضى بالنكول، ومنهم من يقول إذا نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف حكم له، فهذا الذي أراده مالك - رحمه الله-: أنه إذا رد اليمين مع نكول المدعى عليه لم يبق فيه اختلاف في بلد من البلدان، وإن كان فيه اختلاف شاذ) .

وقال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار 22/ 57: (وأما قوله: وهذا ما لا خلاف فيه عند أحد من الناس، ولا ببلد من البلدان، فقد ظهر من علم مالك باختلاف من قضى قبله ما يوجب أن لا يظن أحد به أنه جهل مذهب الكوفيين في الحكم بالنكول دون رد يمين، وإنما أراد - والله أعلم- أن من قال إذا نكل المدعى عليه عن اليمين حكم عليه بالحق للمدعي، وكان أحرى أن يحكم عليه بالنكول، ويمين الطالب، لأنها زيادة على مذهبه، كما لو قال قائل: إن العلماء قد أجمعوا على أن مدين تجزيء في كفارة اليمين كان قولا صحيحا، لأن من قال يجزىء المد كان أحرى أن يجزىء عنه المدان، هذا ما أراده - والله أعلم-) . وانظر الرد على الشافعي لابن اللباد ص78 - 79، ومن جملة كلامه فيه أن الإمام أبا إبراهيم المزني، أرسل يسأل عن هذه المسألة، فأجابه، بما ذكره في الكتاب المذكور، فأرسل رسوله قائلا: أصاب مالك - رضي الله عنه - والحق ما ذهب إليه، وقد أخطأنا إذ أبينا ما بالطريقة - كذا في الكتاب -. وانظر أوجز المسالك للكاندهلوي 12/ 124.

وقول ابن حزم: وإن القائلين بالمنع من رد اليمين، أكثر من القائلين بردها، معارض بقول العلامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت