الصفحة 119 من 142

الإمام مالك ومخالفة الإجماع

ثم أراد الشيخ محمد أن يلزم الإمام بالتناقض، فقال - هداني الله وإياه: وخالف مالك الكثير من الأحاديث الصحيحة التي رواها في موطئه، زعمًا أنها مخالفة لإجماع أهل المدينة. وتتبع ذلك ابن حزم في رسالته في الرد على إجماع أهل المدينة في"الإحكام" (2\ 222) ، وبَيَّنَ فيه أنه ليس من حديث ردوه إلا وقد عمل به أحدٌ من أهل المدينة. وبيّن كذلك بطلان كل أدلة الاحتجاج بعمل أهل المدينة عقلًا وشرعًا. وعلى النقيض من ذلك، كان مالك كثير المخالفة لإجماعات المسلمين، برأيه. وقد أحصى عليه الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهَري في كتابه"نوادر الفقهاء"77 مسألة خالف بها مالك إجماع سائر المسلمين. وهذا أكبر عدد من المسائل الشاذة لأي فقيه ذكره الجوهري في كتابه. وما ذاك إلا لاعتماده للرأي وكرهه لمناقشة الأدلة. كما أنه --من باب أولى- قد خالف فقهاء المدنيين، كما بين الشافعي في"كتاب اختلاف مالك والشافعي"مطبوعة مع"الأم" (7\ 191 - 269) .

قلت: الدعوى الأولى في فقرته سبق للشيخ أن كررها مرتين، وسيعيدها بعد هذه الفقرة، وقد سبق الحديث في إبطالها إجمالا، ولعلي بعد الفراغ من إبطال هذا الدعوى الجديدة، أن أتكلم عنها بشيء من التفصيل، فإن البيان يطرد الشيطان.

قول الشيخ: وعلى النقيض من ذلك، كان مالك كثير المخالفة لإجماعات المسلمين برأيه.

قلت: قد استقر في أذهان كافة الخليقة، أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فاجتماعهما عند الشيخ في حق الإمام - حسب قوله - من سخافات العقول، وهذا مجاراة لقول الشيخ نفسه، وإلا ليس في الأمر تناقض أصلا، فمن الممكن أن يدعي شخص الإجماع في ألف مسألة ويخالف إجماع ألف مسألة، ولا يكون متناقضا، بل حتى لو ادعى إنسان الإجماع في ألف مسألة ثم خالفها جميعا فلا يقال عنه تناقض، وإنما له حكم شرعي آخر. ولقائل أن يقول: إنما أراد الشيخ أن الإمام يحتج بالإجماع في مسائل، وينكر الاحتجاج به في أخرى، فمن هنا كان التناقض، قلت: مع أن هذا القول خلاف ظاهر عبارة الشيخ؛ فمن الممكن أن يكون هو مراده، ولكن هذا لا يصح، ويرد عليه ما تقدم، وقد ثبت بأدلة قاطعة أن الإجماع حجة شرعية يجب إتباعها، وعلى هذا كل الأئمة ومنهم مالك - رحمه الله -.

هذه الأولى، أما الثانية: فقول الشيخ هذا هو المخالف للإجماع، ولذلك فهو منقوض من أساسه، وذلك أن الأمة قد أجمعت على عدالة الإمام مالك وديانته وفضله، ومخالف الإجماع برأيه - حسب قول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت