فهرس الكتاب
الشيخ - أقل مراتبه عندهم الفسق، إن لم يكفر، والشيخ لم يدع لنا سبيلا حتى ندفع هذا اللازم عن الإمام، لأن المخالفات كثيرة حسب دعواه، ثم المخالفة برأيه، والرأي ليس علما حتى تبرر به مخالفة الإجماع. ولكن اللازم باطل لما تقدم من تجمع الأمة على عدالة الإمام وديانته وتصونه، فما أوصل إليه باطل لا محالة، والحمد لله رب العالمين.
والثالثة: أن يقال للشيخ أخبرنا عن هذا الإجماع الذي تزعم أن الإمام خالفه، هل انعقد قبل الإمام أم بعده أم في أثناء حياته، ولا رابع لها، فإن قال: قبل أن يصبح الإمام شيخا يفتي، قلت: هذا باطل لما تقدم، وإن قال: بل انعقد أثناء حياة الإمام، قلت: وهذا أبطل من سابقه، لأنه لا إجماع بدون من اتفق الناس على إمامته وعلمه. ولم يبق إلا الثالثة وأمرها يعرفه الصغير قبل الكبير.
ثم أخبرنا أيضا - يا شيخنا - أين أهل المدينة من هذا الإجماع الذي تزعم أن الإمام كثير المخالفة له، هل هم مع أهل الإجماع، أم هم مخالفون؟ فإن خالفوا فلا إجماع، وإن كانوا من أهله فالحجة على مالك أبين، لأنه يعتد بإجماعهم غاية الاعتداد كما هو معلوم، فكان احتجاج الشيخ بهذه على الإمام أقوى لو فطن لها، ولكن كل ذلك لم يكن، لما علم من إطباق أهل المدينة - خاصة - على علم الإمام وفضله وشدة إتباعه للسنن، ولو كان كثير المخالفة لإجماعهم لكان أمره غير ذلك قطعا.
ونأتي الآن لما احتج به الشيخ لدعواه الباطلة تلك، وهو ما ذكره عن محمد بن الحسن التميمي الجوهري - رحمه الله- من أنه أحصى على مالك سبعا وسبعين مسألة خالف فيها إجماع المسلمين.
فنجد أولا: أن الجوهري - رحمه الله - بنى دعوى الإجماع في المسائل العشرين والثلاثمائة التي ذكرها في كتابه، على أن مخالفة الواحد والاثنين لا تضر في انعقاد الإجماع، وهذا مذهب ضعيف كما يعلم من النظر في كتب أصول الفقه، فكيف إذا كان المخالف مثل الإمام مالك أو الشافعي؟!
وثانيا: أن الجوهري - رحمه الله - قد فاته في أغلب المسائل التي ذكر انفراد الإمام مالك بها، أن هناك غير واحد من أئمة الفتوى قد وافقه في اجتهاده ذاك. انظر على سبيل المثال أول مسألة ذكرها عن الإمام وهي قوله: وأجمعوا أن من صلى ركعتي الفجر، ثم دخل المسجد ليصلي مع أهله، لا يركع قبل أن يجلس، إلا مالكا فإنه أباحه ذلك. كذا النص في المطبوع ص 39.
ولا يخفى على طلبة العلم موافقة أبي حنيفة والليث والأوزاعي لمالك في هذه، ثم اختلاف قول الإمام نفسه فيها، حيث حكى عنه ابن القاسم ما ذكره الجوهري، وحكى أشهب: أحب إليّ أن يركع. انظر الاستذكار 6/ 225. وانظر المسائل رقم: 40 - 75 - 94 - 119 - 127 - 140 - 147 - 177 - 186 - 223 - 227 - 266. وغير ذلك، ولم أنشط لتتبع هذه المسائل، وإنما ذكرت بعض ما ذكره محقق الكتاب من موافقة بعض الأئمة لمالك في المسائل التي ذكرت أرقامها.