الصفحة 121 من 142

وقد لاحظت بمقابلة بعض المسائل التي ذكرها الجوهري في كتابه، أن الإمام ابن المنذر، وكذا ابن حزم، لم يذكرا تلك المسائل في ما كتبوه من مسائل الإجماع، وتحديدا المسائل العشر الأول من كتاب الجوهري، بل نص ابن المنذر في بعض المسائل على الاختلاف صراحة، انظر مثلا المسألة 127، مقارنة بما ذكره محقق الكتاب عن الإشراف مسألة 576. ومن الملاحظ أيضا أن الجوهري يذكر مخالفة الإمام في إحدى الروايتين عنه، والأخرى بالموافقة، مسألة 177، وذكر مسألة عن الإمام فعلق المحقق بأنه لم يجدها في كتب المالكية، بل وجد عندهم خلاف ما ذكره الجوهري، مسألة 227. وفي المسألة 290 ذكر انفراد مالك بها، ثم هو ينص على رجوعه عن ذلك، وموافقته الجماعة.

والخلاصة أن ما ذكره الجوهري - رحمه الله - هو عبارة عن مفردات لبعض الأئمة عن بعض، أصاب الجوهري في حكاية بعضها - عن مالك خاصة، ولا أتكلم عن غيره - وأخطأ في نسبة المخالفة أو الإنفراد له في بعضها الآخر، ولاريب في وجود مسائل انفرد بها بعض الأئمة عن غيره من المجتهدين أداهم إليها اجتهادهم، لا يعلم أن أحدا سبقهم إليها، قد تمسكوا فيها بعموم أو قياس أو حديث صححه بعضهم. وبخلافهم هذا تصبح هذه المسائل من مسائل الخلاف، لا من مسائل الإجماع، فلا يقال لمن خالف فيها: إنه قد خالف الإجماع كما يريد أن يوهم الشيخ محمد الأمين- هداه الله-. وقد كان علامة الأندلس مولعا بهذا الأمر، ولعله قد جمع فيه أكثر من مصنف، كما ذكر في عدة مواضع من كتبه - رحمه الله -.

تعليقات سريعة:

الأولى: قول الشيخ: وقد أحصى عليه الإمام ظاهره أن الجوهري هو الذي نسب مخالفة الإجماع للإمام مالك، والأمر ليس كذلك، وإنما هو قول الشيخ محمد الأمين، فليتنبه لهذا.

الثانية: قوله: وهذا أكبر عدد من المسائل الشاذة ... قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد1/ 65: (معلوم أن مالكا كان من أشد الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظا، فلذلك صار إماما) . هكذا يتكلم أهل العلم - يا شيخ محمد- ولا تعليق أحسن من هذا.

الثالثة: تعليله مخالفة الإمام مالك للإجماع - على فرض تسليمه - بقوله: (وما ذاك إلا لاعتماده للرأي، وكرهه لمناقشة الأدلة) . من أبطل القول، يدلك على هذا أن الإمام الشافعي - رحمه الله - إليه المنتهى في المناظرات الشرعية، قد ذكر له الجوهري أكثر من أربعين مسألة مما انفرد به، بينما لم يذكر لأبي حنيفة - رحمه الله - وهو إمام أهل الرأي سوى نيف وثلاثين مسألة، فلو صح تعليله ما كان ينبغي أن يذكر الشافعي أصلا في كتاب الجوهري، ولكان لأبي حنيفة آلاف المسائل مما خالف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت