فهرس الكتاب
رحمه الله - فما وجد من أجابه، ورأى - رحمه الله - أنه لن يعرف المراد بالعمل ما بقي، ثم أتى علامة الأندلس فاتخذ ذلك من ضمن ذرائعه للطعن في حجية ذلك الأصل، فأنكره جملة وتفصيلا.
قال القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي - رحمه الله - في كتاب [الملخّص] في أصول الفقه، مما نقله الأستاذ محمد السليماني في ملاحق [المقدمة في أصول الفقه] لابن القصار 253 - 255:(إجماع أهل المدينة على ضربين: نقلي واستدلالي، فالأول على ثلاثة أضرب:
1.منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- إما من قول، أو فعل، أو إقرار.
فالأول: كنقلهم الصاع والمد والآذان والإقامة والأوقات الأحباس والمنبر ونحوه.
والثاني: كنقلهم العمل المتصل في عهدة الرقيق، وغير ذلك.
والثالث: كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات، مع أنها كانت تزرع بالمدينة، ولم يأخذ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- ولا الخلفاء بعده منها زكاة.
وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه، وترك الأخبار والمقاييس له، لا اختلاف بين أصحابنا فيه.
2.والثاني: وهو إجماعهم من طريق الاستدلال، فاختلف فيه أصحابنا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس بحجة ولا مرجح، وهو قول ابن بكير، وأبي يعقوب الرازي،، والقاضي أبي بكر، وابن السمعاني، والطيالسي، وأبي الفرج، والأبهري، وأنكروا كونه مذهبا لمالك.
ثانيها: ليس بحجة ولكن يرجح به أحد الاجتهادين، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
ثالثها: أنه حجة وإن لم يحرم خلافه، وعليه يدل كلام أحمد بن المعذل، وأبي مصعب، وإليه ذهب أبو الحسن بن أبي عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا، ورأوه مقدما على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك، ولا يصح عنه كذا مطلقا) .
قلت: على كلام القاضي عبد الوهاب بنى من جاء بعده من أهل العلم، ممن تكلم في هذه المسألة بالعدل والإنصاف، كالقاضي عياض في المدارك 1/ 47 - 59. وابن تيمية في كتابه [صحة أصول أهل المدينة] وابن القيم في إعلام الموقعين وغيرهم - رحمهم الله -.
ثم جاء الإمام ابن الحاجب فوضع بيانا للمراد بالعمل، يناسب طبيعة كتابه المختصر الأصولي، فقال: (مسألة: إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك، وقيل: محمول على أن روايتهم متقدمة، وقيل: على المنقولات المستمرة كالآذان والإقامة، والصحيح التعميم) .